حينما أحضرُ للإسكندرية لمواصلة دراستي من حين لآخر ُأُحب جدا أن استقلَ التُرام في تنقلاتي, وحينما أبوحُ لأصدقائِي بهذا السِر تستوقفهم الدهشة, وفي الواقع لا أجدُ في حِيرتهم غرابة أبدا, لأنهم ينظرون للجوانب المُظلمةِ في الترام.
الترام قِطار ذو كراسي غير مُريحة صُنِعتْ من حديدٍ أملس, أفلحَ الحدّاد في جعل الاستقامة جسدا لها, بزوايا قائمة لا مكان لظهرك المُنهك أن يستلقيَ بمرونةٍ عليه أو ينال قِسطا من راحة عاجلة !!!
وقد لا تظفرُ بكرسي فيه ـ على الرغم مِن أنك تُهرولُ إليه ظنا منك أنك ستحضر قبل الآخرين فتفوز بقصب السبق !!
وفي النهاية تضطر للوقوفِ حتى تصلَ لِمحطتك, وقد لا تصل لمحطتك التي تريدها إلا بعد خمس أو تسع أو خمس عشرة محطة, وهذا يُهدر وقتك ,ومن الأفضل أن تُبكِّر بالخروج قبل موعدك بساعة لتصلَ في الموعدِ المُحدد ولكن وأنت يدك على قلبك .!!
الوضع فيه ِغير آمن, قد يتم سرقتك فيهِ وبكل سهولة وبدون أن تشعر بسبب الازدحام.والسبب الأهم ـ (الفهلوة) ـ خِفة اليد والخِبرة !!!
كما أنك لا تُحسُ بالاطمئنان, قد ترى بِأمِّ عينيك عددا كبيرا من النزاعات بين ( الكُمسري ) والمتسولين الذين يرفضون دفع الربع جنيه ـ على ضآلته ـ !!! وفي مثل هذا الموقف عليكَ أن تلوذَ بالصمت , وتطوي كشحا عنهم, لئلا يلمزوك أو يدفعوا قدمك لنزاع ٍلا تعرف ُ لهُ نهاية من بداية!!
وقد يلزمُك تكلف الابتسامة في وجوههم العابسة الغاضبة لئلا يظنوك مُوافقا على ما يحدث أو طرفا في النِزال.
وعلى كلِ حال فلن تخسرَ شيئا فالابتسامة في وجه أخيك صدقة.
وباعتقادي ـ وعن تجربة ـ أنّ ادعاء الغباء أو الصمم هي أفضل الحلول للنجاةِ بروحك الزهيدة عندهم !!
هذا فضلا عن صخب القِطار الذي يوقظك من سكينتك بلا رحمة !!!
لذا لا تظن أنك ستستمع لموسيقى هادئة أو أصوات دافئة أو حتى هدوء عابر ينقلك لراحة خاطفة!!
أما أبواب القِطار فقد قطعتْ عهدا مع الناس أن تكون مفتوحة لهم دائما لا تُغلَق في وجوههم أبدا , حتى أثناء سيرها المُتقطع المُرعب !!!
وعلى ما في ذلك من خطورة إلا أن المُراهقين يستقلونه قفزا كرياضة جديدة رائعة يتفاخرون بها !!!
وقد شاهدتُ أكثر من مرة سقوطا لِنساء أو فتياتٍ من الباب بسبب الازدحام أو الوقوف المفاجئ !!!
والجو العام فيه ُمتأزم حيثُ تشعر بأن الكل متوتر, قلق, خائف, والوجوه واجمة !! لأنّ الفئات الموجودة هم من الطوائف الكادحة التي تستمر في العمل ساعات طويلة يبدو على وجوهها الإرهاق والكدح والصبر أما التجاعيد فخطتها الشمس بكل جرأة على ملامحهم.!
لا يمر الترام على مزارع وبساتين خضراء أو حدائق ومشاهد جميلة, ولكنه يمر بك على أماكن سكن الناس البسطاء, حيثُ الأماكن الرديئة والبيوت المتهدمة , والأحياء القديمة التي تصرخ ألما وضجرا من الحياة الرائحة منها وهي في آخر عهدها ترنو للتجدد ولكن :
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيا , ولكن لا حياة لمن تنادي
أتُرى شاعرنا نظمَ هذا البيت في مناسبة كَهذهِ !!!!
!!! وفي طريقك لا تُصيبك الدهشة أو الحيرة لأنك وبكل بساطة من الممكن أن ترى أي مشهد يتجاوز أبسط حدود النظافة أو اللياقة الاجتماعية أو الورع الديني !!!!
لن تتمتعَ في الترام بحرية شخصية مثل تلك الحرية التي تحصل عليها وأنت في سيارة الأجرة أو سيارة السائق فأنت مُراقب مِن الجميع وعليك أن تكون مُتحفظا قدر الإمكان خاصة وأنت غريب عن هذا المكان !!
ومع ذلك فأنا أعشق هذه الوسيلة عشقا يجعلني أخرجُ قبل موعد محاضراتي بسويعات لأعيشَ مع الناس والبسطاء وأفهم معاناتهم وأنال خِبرة كافية من الحياة وأفهم شرائح الناس !!!
يتسنى لك أن تُصغي لمعاناتهم , أو أحاديث السيدات التي يتسامرن بها عن غلاء الأسعار أو الخلل الوظيفي أو انتخاب المرشح الفلاني أو سوء نية المدير الفلاني أو عادات العيد أو طوائف المجتمع أو نتيجة مُباراة الأمس ,أنت ترى المسيحي واليهودي والمسلم في مكان واحد يتقاسمون اللقمة والهواء والمكان والحاجات ويتبادلون المنافع بكل ود واحترام .
أجدُ متعتي في تأمل البشر وطوائفهم البسيطة واختلاف مشاربهم وألفاظهم بل وأخلاقهم, هي حياة أخرى مختلفة.
أنت تقف وعليكَ أنْ تُنصتَ وتُصغِي باهتمام لتعرفَ أنّ لكل شيء سبب وعِلة وتقتنصُ العِبرَ وتعرف كيف تسير الحياة في بلد غني أهلهُ فقراء !!!
كما أنك تطلّع على لهجاتٍ مختلفة في بلد ثقافي تجد فيه جميع الجنسيات يحملون معهم من بلادهم ثقافات مختلفة ولغات أخرى !!!
مع أن الكل يتحدث اللهجة المصرية بسهولة وأنت تعرف ذلك إن ْ بادرت أحدهم بالسؤال عن شيء فقط, أما إنْ تركته يسترسل بالحديث مع طفلِه أو أسرته فأنت تستمع لشريط سينمائي مؤثر يصف وجع عائلة تحمل جنسية أخرى !!
في الحقيقة إنني أحيا رحلة مجانية لا تكلفني غير الإصغاء والتأمل والنظر أعودُ بعدها بمئاتِ الأسئلة والأفكار, وقد أجدُ لكثير من أسئلتي إجابات شافية عند أصدقائي, وأخرى غير معروفة الجواب !!!! ولكنها تُقلِقُ فضولي الدائم الباحث عن الحقيقة.
الأربعاء، 6 يوليو 2011
إلى كل مَن يستقل الترام مع كامل احترامي
الثلاثاء، 5 يوليو 2011
قلب لا يتنفس
هزيمة مُنيت َ بها, وأضحتْ حليفك في نهايات الطرق الوعرة التي سِرتَ بها بسرور, وسارتْ هي معك على سجيتها لِتتحالفَ مع الحلم ضدك !
وعلى الرغم من علو عزيمتك ومسالمتك , يغدو الغدر غريمك الذي يقابلك دائما في مساراتك !
الفشلُ يرسمُ لوحاتِه أبداً على كل الأشياء ِ, ويأبى التراجُعَ , ويُصر ُ على النجاح في آمالنا , لينزعَ منها أحلى أحلامنا, ويترك لنا سرابا حيثُ نبْقى عطشى ونفقدُ لذة السعي , وبهجة الوصول , ونشوة الوصال !!
الصبرُ هو الزاد, حين يُحْكِم الجوع ُ زمامَه في مصائرنا , ويُقرر سطوته , وينشرُ ُعيونه !
والتأسي يضيعُ في متاهاتِ مشاعرنا فيعود أسى وكان هو الطبيب الآسي!! .
يصرخُ في جروحنا فيُلهبها ألما ويزيدها وجعا .
الأمل يزغردُ خارج أسوارنا, بعيدا عنْ أسرابنا , يُغرد لِمن لمْ يتألمْ يوماً.!
أما معنا فهو ألم يتجدد , وأمنية تُفلتْ من بين أيدينا, وكنز ٌ يسرقه الغريب منا. مع أنه قد كان لنا !!
ومِنْ ثَمّ يغدو الأمل ألماً مُحققاً, وتمثالاً عاجياً لا ينطق لنا بشيء أبداً.
هو الجمال حين يصمت .
ما بال المفاتيح لا نملكُ لها أبواباً !!
هي حديد بالٍ في أيدينا.
غدتْ آمالنا طلاسم لا نعرفُ لها شفرات لنترجمَها إلى لغة نتعامل بها !!
والغيوم تستحيل ضبابا, تحجبُ النهار عن بصائرنا. لنبقى بلا بصائر على الرغم من عيوننا الواسعة وقلوبنا المُحبة وعقولنا النيّرة وذكائنا المُتوقد, وأحلامنا العزيزة, وطموحنا النبيل !
فالبصائر معصوبة وتنتظر من يَحُلُ رباطها لترى الحياة.!
وفي الحقيقة نحنُ ننتظر الموت الآخر لأرواحنا عند يوم الرواح !!
الاثنين، 27 يونيو 2011
لون المداد

تأملتُ في أحوالِ الأقلام ِ,,,,, ورأيتُ لِكُل ِروح ٍمِدادا, لا يُشْبِهُهُ فيهِ مِدادٌ آخرٌ وإنْ تشابهتِْ الصور وتماثلت الحروف !!
ـ مدادٌ يرتوي من أحبار ِالآخرين يجيدُ فن التزييفِ, فيُبَدّل الجُملَ مِنْ هنا وهناك, ويُركِّبُها من جديد ويُشكِّلُ لنا لوحةً مُشوهة, وهو يراها جمالا ذكيا, ثمّ يُدوّن توقيعه !وتتكرر اللعبة حتى أصبحت له عادة !بل مِهنة .
لا يستحي من نفسِه ولا يحترمُ عيون الآخرين وعقولهم مُتناسياً جمال الأدب , وحق أصالة الفِكر للقلم....ثم هو يرتوي إعجابا ويزهو غرورا , بعدَ أنْ تُصَفِقَ لهُ بعضُ الأقلامِ سفهاً وغباءً !!!
وينسى أنَّ وجودَ مُتلَقٍ بارع يَعرفُ الفروقَ, ويُميّزُ الألوانَ, ويتأملُ الأرواح, ليسَ بالأمرِ البَعيد أو المستحيل, فبصيرته بصفاء سريرتهِ كافيةٌ لترَى الفرق, وتقيس البون. ويقف السؤال شامخا :
كيف سُكِت عنهُ ؟؟ بل كيف رفعوا قدرهُ؟
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
وقلمٌ لا يرتوي إلا مِنْ إحساسهِ, لا يعرفُ غيرَ محبرته, لا ينزفُ إلا مِنْ وَريدهِ, لا يُجيدُ إلا أنْ يكونَ صدى لحياتِه ومبادئه التي قد تتمخضُ من آلام الآخرين فتتسربُ لروحِه ليسكبَها مِن يراعِه ليُثبتَ لنا كلَّ يوم موهبته وجميل روحه.
يثورُ للحق فيكتب الرفض, يتألم للحزن فيخط الشجن فنتألم لِجرحه , يفرح للفرح أينما حلّ فنرددُ زغاريدَهُ, ولا نملك مشاعرنا إلا أن تكون صدى لوقع ِقلمِهِ على الأوراق ,قادر على استيعاب جميل المشاعر واختلافها فيرصُدُها في روحِه ثم يثقفها فينثرها لنا حِكَما وبيانا وصورا وألوانا.
بكفه ساحرُ البيان إذا
أداره في صحيفة سحرا
فهفهفٌ تزدهي به صحفٌ
كأنما خلِّيت به دررا
يكاد عنوانه لروعته
ينبيك عن سرها الذي استترا *
وهناك قلم ناقل لا يُجيد غير الرواية مُعلنا حقوق الملكية لغيره ِ, ولكنهُ لا يفقهُ كيفَ يَنقلُ! وماذا ينقلُ! وما لا يَصِحُ أنْ يُنقل! حتى إذا عاتبته بخطأ ٍفيْما نقلَ,
أردفَ قائلاً :ليس من مِدادِ قلمي بل منقول!!!
وَعجبي من الإرادة !وأينَ كانَ فن الإدارة!!
إدارته ووعيه في المنقول وحسُن تصرفه !!
.............................
وقلمٌ متواضعٌ ولكنهُ يبحثُ عنْ أيِّ فرصةٍ ليقبلَ النّقدَ, ويتطورَ فيسبقك بخطوات وتتذكر حينها بأنك قد كنتَ تسخر منهُ يوما ما !
وأنتَ محلك ساكن ,!!
هو التواضع إنْ تشربَته النفس, وذابَ فيه حب التعلم والجِد والمحاولة ,
هو الإحساس إن ازدان بالتحدي .....مَكانهُ العُلا .وجزاؤه الفوز.
.................................................. .....................
وهناك قلمٌ عارف ضليع مُتمرس , تجِدْه ُينقلُ فينتقي, ويحذف مالا يَصِحُ , أو يُوجز الحديثَ بتصرفٍ رائع, دونَ أنْ يثيرَ تعصُبا أو نزعةً مُقيتةً, لكنهُ ينقل العِبرةَ ويستخلصُ لنا الفحوى, ويترك مادون ذلك فيكون راقيا فعلا, يترفع عن السفاسفِ , لا يسخر من الآخرين, ولكنهُ يفرض القوانين بقوّته ,يسكب في النفوس احترامه مع مرور الوقت ليزداد طِيْبا كلما حُركَ أو أُثير .
.....................................
وهناك أقلام تُجيد سَحبَ الآخرين للرذيلةِ ,دونَ أنِ تعيَ الذنبَ الخطيرَ الذي تتلاعبُ من خِلاله بالقلوبِ والعقول, فتدس السُمَ بالعسلِ, وتشوّهُ الأفكارَ, وتعبث بالقيم, وتخترع الأقاويل, وتلفق التهم, دونَ أنْ يفقهوا ما يكتبون ,يتجاهلون أنَّ القلمَ أمانة !
يلاحقون العفاف ليفتكوا بالبراءة والطُهر ,وهم يُظهرون التقوى !!!! فلا هي ـ هذه الأقلام ـ عكفتْ على موهبِتها لتنْضُجَ ولا هي ندِمت فعادت عن غيّها .
.................................................. .........
وهناك أقلام تختبئُ في كهوف ِالظلام, وتهرب دونَ أدنى قرار, لأنّ صبرها نفِدَ ومحاولاتها باءتْ بالفشل ,ِفي مكانِ لا يُجيدُ إلا الاضطهادَ بألوانِه وأسرارهِ وخفاياه وألاعيبه !!!!
قد يكون الهروب آخر الحلول وقد يكون أفضلها !!!!
.............................................
وقلم غريب, فريد, جميل, تشعرُ بنقاءِ روحِه ,وجميل قلبه, وتمكنهِ من أدواته, فيصرف جُهده لهذا , لكن قدَره هو وجوده في غابة من الوحوش الذين يريدون افتراسه فإن لم ينجحوا ـ لتوقدِ ذكائهِ ـ حاربوه !!!
يقبل النقد فيرتقي كل يوم وقد يتهمونه ويصمونه بالعار !!! ويشوهون سيرة حياته ويلطخون نقاء ألوانه !! ويحرفون الكلم عن موضعه !! ويدسون أسوأ المعاني في أحرفه ,,,,,,, وقد عرف الزمن أقلاما كثيرة لُطخت ولكن يأبى التاريخ عبر العصور إلا أن يُظهرَ الحق يوما ما .
فأي الأقلام أنت ؟؟
أيُّ مداد ترْقُبُهُ لِروحك !!!
* الأبيات لابن عبد ربه في وصف اليراع
بقلم : هدى عبد العزيز
ـ مدادٌ يرتوي من أحبار ِالآخرين يجيدُ فن التزييفِ, فيُبَدّل الجُملَ مِنْ هنا وهناك, ويُركِّبُها من جديد ويُشكِّلُ لنا لوحةً مُشوهة, وهو يراها جمالا ذكيا, ثمّ يُدوّن توقيعه !وتتكرر اللعبة حتى أصبحت له عادة !بل مِهنة .
لا يستحي من نفسِه ولا يحترمُ عيون الآخرين وعقولهم مُتناسياً جمال الأدب , وحق أصالة الفِكر للقلم....ثم هو يرتوي إعجابا ويزهو غرورا , بعدَ أنْ تُصَفِقَ لهُ بعضُ الأقلامِ سفهاً وغباءً !!!
وينسى أنَّ وجودَ مُتلَقٍ بارع يَعرفُ الفروقَ, ويُميّزُ الألوانَ, ويتأملُ الأرواح, ليسَ بالأمرِ البَعيد أو المستحيل, فبصيرته بصفاء سريرتهِ كافيةٌ لترَى الفرق, وتقيس البون. ويقف السؤال شامخا :
كيف سُكِت عنهُ ؟؟ بل كيف رفعوا قدرهُ؟
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
وقلمٌ لا يرتوي إلا مِنْ إحساسهِ, لا يعرفُ غيرَ محبرته, لا ينزفُ إلا مِنْ وَريدهِ, لا يُجيدُ إلا أنْ يكونَ صدى لحياتِه ومبادئه التي قد تتمخضُ من آلام الآخرين فتتسربُ لروحِه ليسكبَها مِن يراعِه ليُثبتَ لنا كلَّ يوم موهبته وجميل روحه.
يثورُ للحق فيكتب الرفض, يتألم للحزن فيخط الشجن فنتألم لِجرحه , يفرح للفرح أينما حلّ فنرددُ زغاريدَهُ, ولا نملك مشاعرنا إلا أن تكون صدى لوقع ِقلمِهِ على الأوراق ,قادر على استيعاب جميل المشاعر واختلافها فيرصُدُها في روحِه ثم يثقفها فينثرها لنا حِكَما وبيانا وصورا وألوانا.
بكفه ساحرُ البيان إذا
أداره في صحيفة سحرا
فهفهفٌ تزدهي به صحفٌ
كأنما خلِّيت به دررا
يكاد عنوانه لروعته
ينبيك عن سرها الذي استترا *
وهناك قلم ناقل لا يُجيد غير الرواية مُعلنا حقوق الملكية لغيره ِ, ولكنهُ لا يفقهُ كيفَ يَنقلُ! وماذا ينقلُ! وما لا يَصِحُ أنْ يُنقل! حتى إذا عاتبته بخطأ ٍفيْما نقلَ,
أردفَ قائلاً :ليس من مِدادِ قلمي بل منقول!!!
وَعجبي من الإرادة !وأينَ كانَ فن الإدارة!!
إدارته ووعيه في المنقول وحسُن تصرفه !!
.............................
وقلمٌ متواضعٌ ولكنهُ يبحثُ عنْ أيِّ فرصةٍ ليقبلَ النّقدَ, ويتطورَ فيسبقك بخطوات وتتذكر حينها بأنك قد كنتَ تسخر منهُ يوما ما !
وأنتَ محلك ساكن ,!!
هو التواضع إنْ تشربَته النفس, وذابَ فيه حب التعلم والجِد والمحاولة ,
هو الإحساس إن ازدان بالتحدي .....مَكانهُ العُلا .وجزاؤه الفوز.
.................................................. .....................
وهناك قلمٌ عارف ضليع مُتمرس , تجِدْه ُينقلُ فينتقي, ويحذف مالا يَصِحُ , أو يُوجز الحديثَ بتصرفٍ رائع, دونَ أنْ يثيرَ تعصُبا أو نزعةً مُقيتةً, لكنهُ ينقل العِبرةَ ويستخلصُ لنا الفحوى, ويترك مادون ذلك فيكون راقيا فعلا, يترفع عن السفاسفِ , لا يسخر من الآخرين, ولكنهُ يفرض القوانين بقوّته ,يسكب في النفوس احترامه مع مرور الوقت ليزداد طِيْبا كلما حُركَ أو أُثير .
.....................................
وهناك أقلام تُجيد سَحبَ الآخرين للرذيلةِ ,دونَ أنِ تعيَ الذنبَ الخطيرَ الذي تتلاعبُ من خِلاله بالقلوبِ والعقول, فتدس السُمَ بالعسلِ, وتشوّهُ الأفكارَ, وتعبث بالقيم, وتخترع الأقاويل, وتلفق التهم, دونَ أنْ يفقهوا ما يكتبون ,يتجاهلون أنَّ القلمَ أمانة !
يلاحقون العفاف ليفتكوا بالبراءة والطُهر ,وهم يُظهرون التقوى !!!! فلا هي ـ هذه الأقلام ـ عكفتْ على موهبِتها لتنْضُجَ ولا هي ندِمت فعادت عن غيّها .
.................................................. .........
وهناك أقلام تختبئُ في كهوف ِالظلام, وتهرب دونَ أدنى قرار, لأنّ صبرها نفِدَ ومحاولاتها باءتْ بالفشل ,ِفي مكانِ لا يُجيدُ إلا الاضطهادَ بألوانِه وأسرارهِ وخفاياه وألاعيبه !!!!
قد يكون الهروب آخر الحلول وقد يكون أفضلها !!!!
.............................................
وقلم غريب, فريد, جميل, تشعرُ بنقاءِ روحِه ,وجميل قلبه, وتمكنهِ من أدواته, فيصرف جُهده لهذا , لكن قدَره هو وجوده في غابة من الوحوش الذين يريدون افتراسه فإن لم ينجحوا ـ لتوقدِ ذكائهِ ـ حاربوه !!!
يقبل النقد فيرتقي كل يوم وقد يتهمونه ويصمونه بالعار !!! ويشوهون سيرة حياته ويلطخون نقاء ألوانه !! ويحرفون الكلم عن موضعه !! ويدسون أسوأ المعاني في أحرفه ,,,,,,, وقد عرف الزمن أقلاما كثيرة لُطخت ولكن يأبى التاريخ عبر العصور إلا أن يُظهرَ الحق يوما ما .
فأي الأقلام أنت ؟؟
أيُّ مداد ترْقُبُهُ لِروحك !!!
* الأبيات لابن عبد ربه في وصف اليراع
بقلم : هدى عبد العزيز
الأحد، 26 يونيو 2011
تحليل قصيدة (ما أكذب الشعر )

تحليل قصيدة ما أكذب الشعر
للشاعر / محمد الجبلى
الليل مكتئب في قلب مكتئب =
والقلب في شغل عن ذلك الطرب
أوتار معبد ما عادت تهيم بنا =
ولم تعد متعتي في مرتع الأدب
قد أشغل القلب عما يستلذ به =
من التغني أو التطواف في الكتب
فبي من الهم معنى لا يصوره =
صدق الشعور ولا وشي من الكذب
وبي من الهم والأحزان ما عجزت =
عنه القوافي وأعيا منطق العرب
ما أكذب الشعر ما أخزى تشدقه =
الحزن ليس كلاما لف بالوصب
فليس لي أمل ليؤنس الروح أو =
خيط أطارده من طيف مغترب
فلست أرجو وصالا كي يعللني =
ولست مرتقبا نيلا لمرتقب
يا صوتها لم تزل في الليل أغنية =
تشدو وأصداؤها في القلب كاللهب
وليس في الدار أفراح وقد رقصت =
ألحان رقتها تجد في طلبي
هدية العيد ما زالت مغلفة =
وعطرها لم يزل في عقدها الذهبي
الليل مكتئب في قلب مكتئب = والقلب في شغل عن ذلك الطرب
يبدأ الشاعر الكلاسيكي عادة بوصف الليل الذي بات ثقيلا مُكتئبا فهما شخصان يتشاركان الهم والحزن, وهذا تناص ضمني مع امرؤ القيس الذي رأى الليل ثقيلا يتمطى من جهة, ومن جهة أخرى فإن الشاعر يكشف هنا عن تأثره بالشعر القديم وولعه بالشعر الكلاسيكي لما في أسلوبه مِن تشابه مع الشعر القديم وصوره وأخيلته, مع اعترافنا بأن الشاعر مُجدد أيضا فهو جعل الليل رجلا مُكتئبا له ملامح الحزن।
وكلمة مكتئب كلمة لم نعرفها في الشعر القديم مع أنها تحمل معاني الحزن والهم وكل مشاعر الأسى التي يحملها الشاعر القديم في قلبه।
وقد كان لتكرار كلمة مكتئب وقعهُ في نفوسنا, فشعرنا بصدق مشاعر الشاعر, وعدم قدرته على مجابهةِ هذا الحُزن الذي هيمنَ عليه।
أوتار معبد ما عادت تهيم بنا = ولم تعد متعتي في مرتع الأدب
هنا التفات بلاغي فقد انتقل الشاعر من ضمير الجماعة ( تهيم بنا ) إلى ضمير المتكلم ( لم تعد متعتي ) وهذه بلاغة جميلة توضح مدى تقلب روح الشاعر التي لم تعرف الاستقرار।
فهو ينتقل من حال ٍإلى حال فقد كانت متعة روحه بين واحات الأدب والأوتار। وأرى أن الشاعر وُفق في أسلوب الالتفات هنا جدا لأن المعنى يفضح حال الشاعر الإنسان الذي تغير حاله وتبدلت نفسه ।
ومِن جماليات هذا البيت الموسيقى الداخلية بين أجراس حروف الكلمات:
(معبد، عادت , تعد , متعتي , مرتع) فتكرار جرس العين يوحي بعمق معاناة الشاعر كعمق مخرج حرف العين ( الحلق ) الذي يخرج بعد ضيق في المخرج كما هي حال الشاعر الذي يضيق ذرعا بالحزن الذي يُكابده .
قد أشغل القلب عما يستلذ به = من التغني أو التطواف في الكتب
بدأ السر يُكشف رويدا وريدا فإن هناك ما يشغل القلب عن المتعة والراحة أو حتى عن القراءة الحرة التي كان يحبها الشاعر وكلمة التطواف جاءت معبرة جدا عن تعلق الشاعر بالقراءة الحرة ـ الاطلاع ـ فقد كانت موجزة جدا تحمل معاني كثيرة فالقراءة أشبه بالرحلة التي تنتقل عبرها من كتاب إلى كتاب آخر وحملت الكلمة معنى القراءة بشغف فإن الإنسان لا يطوف إلا رغبة , وحملت معنى الثقافة المتنوعة فإن التطواف والتجوال يكون بين علوم متنوعة والشاعر هنا يُلمح لنا عن سعة ثقافته ضمنيا فهو فخر ضمني رمزي .
نُلاحظ هنا تكرار حرف التاء في ( يستلذ , تغني , تطواف , الكتب )
فبي من الهم معنى لا يصوره = صدق الشعور ولا وشي من الكذب
لقد بلغ هذا الهم مبلغا عظيما فلم يعدْ ينفع معه حتى تعبير الشاعر الصادق عنه لأن الكلمات لا تسعفهُ ولا تستطيع أن تعبرَ عن كل ما به مِن مشاعر الحزن والأسى ولا حتى التجمل كذبا.
كل تلك الأساليب عجزت عن وصف وتصوير مشاعره .
الطباق بين الكذب والصدق بديع اختصر المعنى فيه الشاعر.
وبي من الهم والأحزان ما عجزت = عنه القوافي وأعيا منطق العرب
حتى القوافي التي يتقنها الشاعر لم تُجدي نفعا في التعبير عن مشاعره ولم تبح عن ما به !
لقد أعيا حزنه منطق العرب !! أي حزن هذا استشرى في روح شاعرنا حتى أن كل العرب لا تُطيق ولا تقدر على معرفته أيضا والحديث عنه.
ونحنُ نعرف أن العرب أمة فصاحة وبيان وحِكمة .
ولكلمة العرب هنا دلالة عميقة فشاعرنا لم يختر كلمة الشعراء أو كلمة الأدباء أو كلمة أخرى ولكنه اختار كلمة العرب لأنه هو ذالك الرجل العربي الذي يفتخر بعروبته ضمنيا ويرى فيهم صفات المروءة والشجاعة فهو مَن يفخر بعروبته وإن ْ كان ضمنيا ولم يُصرح ولكنه يصل إلى فكرنا عبر هذا الوصف الرائع .
ما أكذب الشعر ما أخزى تشدقه = الحزن ليس كلاما لف بالوصب
أسلوب تعجب يوحي لنا أن الشعر لغة كاذبة أمام طوفان الحزن في نفسه. كيف لا يرى الشاعر الشعر بهذه الصورة لأنه يرى حُزنه فوق أي لغة تعبيرية. بل هو يراه مجرد وسيلة تشدق إنْ أتى بجوار حزنه محاولا أن يعبر عنه.
هو يرى الحزن ليس كلاما أو مفردات تُرص بجوارِ بعضها بعضا, بل هو شعور عميق مُرهق للنفس, يؤلم الروح, لا يجدي نفعا معه شيء. فالمفردات التي تدل على الوصب ـ التعب ـ لا تدل على ما به . وتأتي كلمة لُفَ لتعبر عن مدى المعاناة التي يلقاها شاعرنا فيرى كل ما حوله تكلفا وتصنعا لا يُحقق صدق شعوره.
فليس لي أمل ليؤنسَ الروح أو = خيط أطارده من طيف مغترب
هذا البيت هو لُب القصيدة ـ في النقد لحظة التغني عند الشاعر ـ لأنه يكشف لنا عن سبب معاناته أخيرا بعد أن أسهب في وصفها وتصويرها لنا.
فليس هناك أمل بمِن يُريده وهو أنيس الروح الوحيد الذي كان سببا في أنسه وإدخال السرور لقلبه ومبعث بهجته,
لم يعد هناك لو خيط رفيع قصير يستطيع أن يمسك به لعله يصل إلى طيف المغترب.
وكلمة مُغترب توحي بأن مَن يبحث عنه غريب بعيد عنه مع أنه كان له !!
فالغربة لا تأتي إلا بعد الألفة مع الشخص والمودة والصحبة الجميلة وإلا لما أحس بها.
فالإنسان الذي يفتقده كان معه يحيا في كنفه بحب ومودة ولكن لأمر ما أضحت الغربة هي حالهما.
إذن الغربة عن الرفيق أو الحبيب هي سبب معاناة الشاعر وسبب همومه.
هذا البيت يوضح مدى دفاع الشاعر عن حبه وقدرته على الجهاد لأجله ( مطاردة ) ولكن هناك حائلا عظيما يحول بينه وبين الوصال !!!!
فلست أرجو وصالا كي يعللني = ولست مرتقبا نيلا لمرتقب
لم يعد يرجو منه وصلا ـ دلالة على اليأس من المغترب لسبب ما لم يكشفه لنا الشاعر ـ حتى يؤنسني فإن الأنس يكون بالوصل ولكنه غير ممكن مستحيل يئس منه الشاعر ولن يكون هناك نوال له وهو الهدف البعيد جدا عنه على الرغم مِن قربه لروحه وتعلقه به .!!
مفارقات مؤلمة.
أتى بصيغيتين من جذر واحد ( مُرتقِب ـ مُرتقــَــب ) وفي هذا تلاعب لفظي خَدَم المعنى بلا شك وجذب المتلقي للبيت . فالمرتقِب هو اسم الفاعل ـ الشاعر ـ والمُرتــََقـــَــب هو اسم المفعول وهو الرفيق الذي يبحث عنه ويترقب حضوره ويرنو بوصله .
يا صوتها لم تزل في الليل أغنية = تشدو وأصداؤها في القلب كاللهب
ثم يذكر الشاعر لنا في آخر الأبيات أن هذا الرفيق الذي يغترب عنه ما هو إلا الحبيبة التي لم يعد يجدها فهو يُصرح بها في آخر الأبيات ويذكر لنا صفاتها التي يفتقدها فهي التي تملك الصوت الساحر الذي يخلب لبه ويؤنس مسمعه , ويُشبه صوتها بالأغنية التي تترنم هي بها له , وأصداء وأنغام هذه الأغنية تتردد مازالت في قلبه وتشعله كاللهب . وأين هي لتطفأ هذا اللهب وهي المغتربة عنه , بعيدة عنه , لا يمكن أن يكون بينهما وصلا أو طريقا للنوال .!!
وليس في الدار أفراح وقد رقصت = ألحان رقتها تجد في طلبي
يُكمل لنا صفات محبوبته فهي التي كانت تنشر الحب والبهجة والحياة والحيوية والسعادة في أرجاء المنزل كأن في الدار أعراسا مِن شدة الفرحة التي يحيا بها معها . وهي التي تتصف بالرقة الشديدة وهذه الرقة سببا لتعلقه بها وانشغال فكره بها فهو يُحب هذه الصفة بها . ومما لا شك أن أهم سمات الأنثى الرقة فهو أجاد أن يُعبر لنا عن صفات محبوبته بما ينبغي أن تتصف به المرأة العربية وشبه هذه الرقة بالألحان التي تتغنى بها امرأته فتبث في المنزل أنغام السعادة والبهجة والفرحة .
من جماليات هذا البيت تكرار الوزن الصرفي لجمع القلة في قوله ( أفراح ـ ألحان ) فهما على وزن أفعال مما جعل الموسيقى الداخلية تكون قوية كما الألحان في صوت محبوبته . جمالية بين المعنى والموسيقى الداخلية رائعة.
هدية العيد ما زالت مغلفة = وعطرها لم يزل في عقدها الذهبي
هدية العيد في ظل عدم وجود حبيبته مازالت مغلفة ـ كناية عن عدم فرحته وانتظاره لها ووفائه ـ وعطرها معلق بعقدها الذهبي ـ كناية أنه معها بعيدا عن الشاعر ـ وهو هنا يصور لنا عن تعلقه بها وبما كانت تضعه من عطور أو تتركه له هدايا يفرح بها معها .
القافية هي الباء المتحركة ـ قافية مطلقة ـ وهي قافية فيها قلقلة كما روح الشاعر القلقة, حيثُ يُطلق آهاتَ حزنهُ عبر القافية المطلقة التي يمتد معها النَفَس.
هدى عبد العزيز
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
