23 أكتوبر, 2011

قرار جديد



لمْ أقدرْ عَلى الكلامِ , لَزِمْتُ الصمتَ , لَفَ السُكونُ المَكانَ كلَهُ , إلا قلبي الذي يَضِجُ بالألمِ , فَرَرْتُ عَنْ العُيونِ . وَالحَسرةُ تأخذُ مِني مَا تُريدُ ! ...
لِمَ خَذلتنِي شَجَاعَتي؟, كيفَ جَعلتُ الألسُنَ تَهزأُ بِها ؟, وَالموقفُ فِي حقيقتهِ يَسْخَرُ مِنِي. أي صديقةٌ أنا !, هَلْ تَخليتُ عَنْ شَهامتِي عَلى حِينِ غَفلةٍ مِنْ إيمانِي , أَمْ اِسْتسلمْتُ لِتلبيسِ إبليس.
كَانتْ البَهجةُ تخَطُرُ مِنها كَعادَتِها , وَهيَ تستقبلني كُلَ صباحٍ بابتسامتِها الساحرةِ, ويدِها الناعمةِ التي تصافحُنِي فتزغردُ أساريرِي, ويفرحُ عالمِي, وأشعرُ بالدفءِ والاطمئنانِ اللذين يدفعانِي لمواصلةِ يومي بكلِ أريحية.
لمْ تكنْ كأيِّ تلميذةٍ في المدرسةِ , لقد كانتْ رُوحها شفيفة , نقية , على غير العادة
توَّاقة للعلم, ثمِلةٌ بكأسهِ لا تفيقُ أبدا.
تعلو بنفسِها إلى السَحابِ , تلَقفُ أشعةَ العلومِ قبلَ أنْ تَهبطَ فَتُصبحُ مَشاعاً للآخرين !
مُلهمةُ الشُعور. لها عَينان تَبرقان ألمعيةً وَذكاء !
طالبةُ علمٍ حينَ تبدُو صُورتُهُ وسيلةً لِلضياعِ عِندَ الضائعين !! إلا هي !
هكذا ظَهرتْ لِي تلميذتي, لكن لا يتوجبُ عليَّ أنْ أبثَها هذهِ الرُؤية خشيةَ أنْ يعرفَ قلبها الوليد الغرور, وهي في بداية خطى المَجد, فتتعثرُ الخُطوات, وتتراجعُ الأمجادُ , وتتقهقر الأحلامُ , وَهيَ الأمل لِغدي وللدُنيا بأسرِها.
هَمَمْتُ بخطةٍ لِحَبيبتي , رَعيْتُ مَوهبتَها البِكر في الكِتابة, فأهديتُها كتبَ الرافعي, وَخططتُ عَلى دفاترِها جميل العِبارات لِتَحفيزِها, ثمَّ تجاهلتُ إصرارَها في معرفةِ رأيي بها , لكنهُ إحساسها الذي لا يخيبُ, وَبصيرتها النافذة.
قد كانت عيناي تفضحانِي فهي تُجيدُ قراءتهُما. وابتسامتُهَا لهُما خيرُ جوابٍ.
وَضحتُ مواطن القدح , وتركتْ المدح , مع تأييدِ لبعضِ المواقفِ الواضحة أمامَ زميلاتِها بصحةِ جوابِها وَبحضورِ ذكائِها, فمِن شأن ذلكَ أنْ يبعثَ فِيها تجددُ العَطاء.
يَا لفراستها التي تروي صدى الروحِ.
كمْ أخشى عَليها مِنْ نفسها والعُيون والدُنيا جميعها .
واليوم َ أراها تلقى الكيدَ منْ أقربِ الصديقات . تسخرُ منها الوجوهُ , وتؤيدهنَّ مديرةُ المدرسةِ , هل نجحتْ المكيدة ! اليوم أجِدُ على سُحنتِها الحُزن الكبير. وما مِنْ أمرٍ أَستطيعهُ لها سِوى الهُروب, خَشيةَ أنْ يُضيِّقوا عَليها الخِناقَ , لقد باتَ الحُبُ ذنبا عظيما علينا أنْ نحتفظَ بهِ وَحدنا , ونتحفظُ عليهِ أمامَ لمزِهم وهمزِهم , نكتمُهُ عنْ كلِ النَّظرات . إنهُ يُثيرُ غيظ َالحسادِ, ويهيّجُ ذنوبَ البشر , ويُغري السوادَ بالتفشِي . ويوحي للوشاة بشائعاتِ ألسنتهم .
رُوحِي تتألمُ كلمّا عادتْ بي الذِّكرى , كانتْ كأي صَبية يافعة تعشقُ الجمالَ, وفي ذلك اليوم المكتوب علينا فيهِ الأسى, أحضرتْ صُوراً خاصةً لَها وَلِأُسْرَتِها فَسارعَ الوشاةُ بالتبليغِ, وما مِنْ ناصحٍ لَها أو حَتى لِي .
وَلأني رائدة الصف كانَ استدعائي ضرورةً مَلحةً إلى غرفةِ الإدارة لبحثِ أمرها , دخلتُ ووجدتُ الدموع تملأ ُوجنتيها المخمليتين , ووجهها ينزفُ حزناً , وشعرُها المُنسدلُ على كتفيها يحاولُ أنْ يضمَها ويلفها عن هول صدمتي بها.
والمديرةُ استشاطتْ غضبا وملامحُها كلها تصرخُ :
هذا إهمالك يا أستاذة هدى ودلالك لفتاتك !
هل هذه الفتاة الموهوبة البريئة التي تحبين, هاهي تخون ثقتك , تستغل طيبتك . وهي حية تسعى ! تنشر الأوبئة في الفصل , وأنتِ في غفلةٍ عنها!
كانتْ دقائقُ مَعدوداتٌ والهاتف يهتفُ بهتافِ والدِها مُوبخاً لَها , بعدَ أنْ بلغتهُ المُديرة , أمّا وكيلة المَدرسة فقدْ أخذتْ تعهدا خطيا عليها , والكاتبة الإدارية تكتب تبليغا رسميا لولي أمرِها بالصور مع أخذ توقيعه بعدمِ تكرار المَوقف منْ قبلِ ابنتهِ .
لمْ أكنْ أتمنى إلا أنْ أقولَ ( نحنُ بشر قدْ نزِلُ ونُخطئُ فما بالكم بفتاةٍ يانعةٍ في عمر الزهور )
ولكن اللسان خانني , والأسى ألجمني , والذهولُ من الواقعةِ أخرسني , والعيون الشامتة التي تنتظرُ الهزيمةَ أفجعتني.
لِقد وقع الجَمَل؟ وتأهبتْ السكاكين.
لمَ لا نصفحُ ؟
هل غادرتنا الرحمةُ ؟
لمَ لا يتسعُ أفقُنا للنظرِ إلى مَن المُستفيد الأول , ومَن المتضرر الأكبر مِن الحادث ؟
هل الغفرانُ لذنبٍ عابرٍ يعدُ غلطا ؟
هل يتوجبُ علينا أنْ ننسى تاريخا جميلا لإنسانٍ في لحظةِ ضعفهِ؟ فيكون هذا ضعفنا ؟
هل حل مشكلة بشكل سري يُعد تسترا؟ أم سِتر ذنب غير مقصود أصبح ماضيا لنْ يعودَ ؟ يا أخلاقاً تلاشتْ.
أتُراني خشيتُ تفسيرَ حُبنا على مَحمل آخر , وهو ذَهابُ نزاهتي.
كانتْ تلك الأسئلة خطابي لعينيها الذي أعياه البوح .
أما خطابها لعينيِّ فهي دموع الندم , وآهات سكين الغدر الذي ينزفُ من صميمِ فؤادِها, وهو غَرْزُ يدِ زميلاتها في قلبِ سُمعتِها وحُسن صيتِها لينالَ منها وربما مني.
وقفتْ المُرشدة الطلابية حائرةً أمامَ صمتي وصمتها, بينما عيناي وعيناها لا يغضانِ الطرفَ بعضهما عن بعض.
وأي ملمةٍ ألمّت بقلبينا .
وأنا بين مثاليتي ورأفتي بها , لمْ أقوَ على الدفاعِ عنها, فمعروفٌ عني أنني منْ أشدِ المعلمات حِرصاً على مَنعِ المُخالفات بأنواعِها بين الطالبات.
حدسٌ يتملكني , غدرٌ كبيرٌ وقعَ عليها, وخطةٌ مرسومةٌ بدهاءِ خبير للنيلِ منها , ولكن مَنْ يفهم ؟ وكيف لا أُفهمُ غلط . !
جمعتُ أنفاسي , وخرجتُ بقرار جديد ......

لا أختلف عنك




هتفَ بصوتٍ عالٍ لم يدعْ لنا معهُ بضعَ نسمات نتنسمها من أنسام غرفة مكتبه الكبيرة الفارغة إلا من صورته ! , لم يدع للأكوان الأخرى فسحةً لتشاركه أمره الطاغي وشخصه العالي, ونحنُ لا نملكُ من أمرنا إلا الصمت الجبري أمام صراخه. وبضعة أنفاس متوجسات نزفرها رعبا , أما حركتنا فالهويني في حضرته !
هذه الصرخة هي العلامة التي تؤذن ببدءِ محاضراته والتي ديدننا فيها الاستماع فقط . وإلا فمصيرنا غير معروف لوفرة الاحتمالات وأبعادها الكبيرة !
مكتبه عتيق جدا , لونه بني حالك الظُلمة , لا تكاد تتبين لَونهُ إلا بعد أن تمعن النظرَ فيهِ على حين خلسة من أنظاره الفاحصة ,ومَا مِنْ اشراقة حولك تلفت نظرك إليها .
أما نوافذ الغرفة فمشرعة لتجلبَ الهواء لهُ فقط . دون أن يُجملها بستائر تحجب قسوة الشمس حين تسطع ! كشمسه التي لا تأفل بقسوة حرارتها.
كل ما حوله يصيح بعجرفته , الكتب التراثية الضخمة المرصوصة على مكتبه, وهي تعزفُ النظر عن أي جديد مقبل على الحياة ! ومجموعة أقلام تائهة في مقلمة تقليدية شاحبة اللون ذاتَ أطراف حادة, أما قلمه الثمين الذي يوقع بهِ فمقره جيب معطفه الأنيق , لا يقبل أن تلمسه غير أنامله , حتى كرسي المكتب الضخم يعلو ظهره كبرا وغرورا !
لا يضعُ أستاذي في غرفة مكتبه أي ورود أو صور أو لوحات ترمز لروح رقيقة تُحس الآخرين , أو تدل على ذات مشرقة محبة متفائلة !
قد تمر بجانب مكتبه فينظر لك شزرا , فتتنحى بعيدا عنه جبرا , مع أنك لم تقصده . !
أما إذا دخل عليهِ تلميذ, محدود المستوى العلمي , مستجد في الكلية , قليل المعرفة بهِ , ليسأل عما يُشكل عليه , لن يطول بك الوقت حتى تسمع صراخ الدكتور المبجل في وجهه, فنعرف أن الطردَ كان مصيره المحتوم , لأنه لم يكن على المستوى المطلوب في ثقافة الحوار .
إنه رجل لا يرى إلا ذاته , يرفض أن يستمع لآراء الآخرين . لا ينادي إلا لمذهبه الذي وصل إليه ! كنتُ أعرف قبل لقائي بهِ أنه مؤسس منهج نقدي كان له جذورا قديمة في تاريخنا النقدي, حيثُ وضع الأصول والقواعد والأسس بكل خطى ثابتة وبدقة متناهية, ولأنني لا أنكر هذا الفضل لأستاذي فقد عمدتُ إلى قراءة كتبه كلها, فما رأيتُ فيها إلا فكرا صحيحا ونهجا واضحا وتناسقا, لا تناقضَ بينها على كثرتها وتنوعها .
أترى غروره هو احتفاظه بهويته ! خشيته على مكانته أو ربما إحساسه بإهمال آرائه وهو على مشارف الوداع , وهل عادة نقدنا الأدبي الجميل إلا تناسي الأعلام ! وبحث أبحاثهم بعد رحيلهم! وهو الرجل الذي تخطى الثمانين وتلميذ شيخنا الدكتور شوقي ضيف رحمه الله .
ولأن هذا الدكتور وجدَ في المعيد ( .....) ضالته المنشودة وصورته المكرورة, فقد كان يُعظم أمره , ولا يهتفُ إلا باسمهِ . والبقية مع الهمل يرعون بعيدا عن بستانه الزاهر !!!
فلا يكلف نفسه نظرة خاطفة لهم , ولا يمنحهم وقتا للسؤال أو المشاركة الحرة أو التجاوب أو حتى قراءة النصوص التي يكلف بها سوى تلميذه النجيب وابنه الحبيب .
ولأنه التمثال الآخر لهُ , فإنَّ حالَه منْ حالِه, وهيئته من هيئته, وغروره يسير معه في كل مكان يدوسه !!!
وعقدتُ العزم أن أشاكسَ هذا الرجل الكهل ليعزفَ عن غروره, ويمنحنا من عطفه وتوجيهه, بدلاً من صدِه وتقتيرِه . أمَّا تلميذه المدلل والمعيد في القسم فقد أزمعتُ تحطيم رأس غطرسته بعلمي .
ولأنني من النوع الذي يتريث حتى تحين الفرصة المواتية , فقد أخطأ الابن المدلل في يومِ نحسٍ مُستمر خطأ أرادَ هو أنْ يتجاوزَهُ على حين غفلة من الآخرين, لكنّي أبيتُ إلا التصويب له . ثم بدأتُ أقرأ على أستاذنا ما فات عليهِ من محفوظاتي الشعرية بلا كتاب وهو ما عجز عنه تلميذه المتفلسف !
وبدأ الدكتور يهتم بي ويلتفت لوجودي الذي كان لا وجودَ لهُ ! ويُفسح لي مكانا في المقدمة لأجلس فيه ويتبسم في وجهي بعد أيام من العبوس والذي زاد منها تجاعيد وجهه الواضحة.
ومن حسنات الموقف أنني أصبحت أنعم بالدلال من حزب الزميلات لأنني رددتُ لهن بعضا من اعتبارهن .
وفي يوم آخر لم يكن الحظ فيه حليفا لتلميذه الواعد , أخذ أستاذنا يتحدث عن المذاهب الحديثة التي ظهرت بسرعة ثم اختفت, وبكل أسف لهُ كان حديث الدرس هو النقد النسوي , وأخذ الرجل يُكيل ذما بالمرأة وتقييدها للنقد بجنس ما, وأن هذه الدعوة هي دعوة سافرة لمهاجمة الأدب والنقد الشامل التكاملي, وكأنه وجد فرصة لنفث ما في صدره من غيظ علينا نحنُ مجتمع النساء, بل وكأننا نحنُ طالباته مَن دعونا لمذهب قد مات قبل أن نخوض معترك الحياة, ولزمت الصمت في البداية احتراما لشعره الأبيض الذي بات يصرخ وجعا من وجعي المخنوق !!! ولكنه أخذ يرمي عليه الاتهامات ومن بينها أنه نقد اجتماعي فاشل !
وهنا نهضتُ وصرختُ في وجهه والكل يرمقني خشية على عمري الذي سيضيع على يديه, ومستقبلي الذي سيرحل إلى الفناء مع نظراته الحادة . قائلةً :
( وهل كان المذهب الرومانسي إلا مذهبا اجتماعيا بدأ مع الثورة الفرنسية والتي حاربت الطبقية فكان مذهبا اجتماعيا ثوريا ثم أضحى تأثيره على الأدب فكُتِبَ له النجاح )
صمت الدكتور للحظات ثم رمقني, وكان كل التلاميذ يرقبون نهايتي ويرتقبون رحيلي من الحياة الأكاديمية .
وكان رده : أحسنتِ وأنا لا أختلف معكِ وتبسم في وجهي , ثم اعتدل في جلسته على كرسيه الذي يكبره بمسافات .
ونظرت لي صديقتي بكل فرح ( الحمد لله هدأت العاصفة , رد جميل هدى , بارعة )
أما تلميذه المغرور فقد عرف أن منافسا له خطيرا في الطريق إليه, لابد أن يتوخى الحذر منهُ .!!!
أما أنا فقد أخذتني العبرة , واستولى عليَّ الألم , أي جاهلية حديثة نحياها في ظل علم مستبد لا نجد فيه فسحة من حرية فكرية لرأيٍ نقدمه لا يعارض هويتنا , أو صدرا يتسع لمدرسة نأمل تكاملها فاندثرت على يد الآخر قبل أن تنمو !
ولأنه رجل قد تخطى الثمانين فقد شعرتُ بأنه يحتاج إلى العطف, ويفتقد الألفة مع الآخرين وهو على مشارف النهاية !! فأشفقتُ عليه, وصددتُ عنه . واستمرَ مُعترك الحياة !!!

02 أغسطس, 2011

الخطوة الأولى

الخطوة الأولى
طلبتْ مِنا الدُكتورة المُهذبة (...........) تحليلاً دقيقاً في بَحثٍ لا تَقِلُ عَدَدُ صَفَحَاتِه عنْ خمسِ عشرة ورقة, معَ أهميةِ الرُجوع لِلمَراجع, وذلكَ لإحْدى مَقامات الحَريري أَديبنا اللُغوي اللبيب, وفصيحنا العارف الفهيم. وكمْ كانتْ بنا شفيقةً , نَحنُ مَعاشِر الباحثين المُبتدِئين!
وَطفقتُ أشتري الكتابَ, وَكُلِي ثقة بأنَّ النَجاحَ سيَكونُ حَليفِي, وَأنَّ القِراءةَ الأُولى سَتكفَلُ لِيَ التحليلَ الدقيقَ, وَخاصةً أنَّ التحليلَ اللُغوي دَيدني في أوقاتِ فراغي.
ولا أُريدُ أنْ أُطيلَ عَليْكُم فقدْ كَانَتْ الدَهشةُ مَرسومةً على كلِ مَلامحِي بعدَ أنْ دَلُفتُ لِقراءةِ الكتابِ, وأصبحَ الهمُ رفيقي, فمَا مِنْ كَلمةٍ سَهلةٍ, قريبةٍ إلى الأفهامِ في هذا الكتاب, وإنْ اقتنصْتُهَا فَإنَّ السياقَ العامَ لِلجملةِ يَجعلُكَ شريداً, هارباً عنها, غيرَ ظافرٍ بأيِّ مَعنىً منها!
فمَا كان مني وعلى حين خِلسةٍ من ضَميري إلا أنْ أتصفحَ (النت) لَعلي أظفرُ بمَقامةٍ مُعَدَة و مُحللة تحليلا لغوياً وفنياً , فكان الفشلُ الذريع هو جَزائي !!! لا يَوجدُ في عالم (النتِ) أي مَقامة تمَ تناولها بالدرس الأدبي ! نهايةٌ أسيفةٌ بعدَ البحث المُضني !!! أمَا مِنْ باحثٍ قامَ مشكوراً بتحليلِ مَقامة من مقاماتِ الحريري ولو عنْ طريقِ القِراءة الخَاطفة, أو الهِواية التي تَجُرنا أحياناً لِقراءةِ ما لا نريد فنقعَ على ما نريد! وليتني وقعتُ على مَا أريد !
بدأتْ وجنتيَّ بالاحمرارِ وَهُما كذلك في حالتي الخجل والغضب ! بالطبع كانتْ العلة هذه المرة كلتا العلتين. الخجل من ضميري, فسرعان ما أيقظني إحساس الندم !! والغضب من هذه الأناة الحالمة التي أحياها !!! فمَا أنا فاعلةٌ في أمري, والوقتُ ينسلُ مِنْ بينِ يدي, ولابُد منْ تسليمِ البحثِ بعد أسبوع!حسناً , خَطرَ لي خاطرٌ لكن نِسبة البراءة فيهِ أكبر! أن أضعَ موضوعاً في الفصيحِ لعلَّ أحدهم يُفصِحُ لي مَشكوراً بحلٍ لهذا الموضوع أو لديهِ تحليل بلاغي أو حتى تحليل مُبهم, المهم أنه تحليل لُغوي وكفى . فيغيثني به !!! ومكث الموضوع يومين, وفي اليوم الثالث أدركتُ أنهُ ما مِن سبيل إلا صاحب الكتاب أسألهُ لَعلَّ قلبَهُ يَرِقُ لِي, أيُفْصِحُ لِي الحَريري عَنْ مَكنونِ كلماته الغريبةِ والتي جمعَها في صعيدٍ واحد. تصفحتُ الكِتابَ على مَضضٍ, وقهقهةَ الحريري ما تزيدني إلا تحدياً, وتُصاحبني في كل صفحة ٍأتصفحها, وكان يتوجب عَليَّ في البدءِ أن أنتقيَ مقامةً من الأربعين, لتظفرَ بتحليلي السامي وهوايتي التي أراها اليومَ مبعثَ أحزاني بعدَ أنْ كانتْ سببَ مَسراتي.
ولكن مُجبراً أخوك لا بطل !!!!
كانَ هدفي أن أنتقيَ الأسهل والأيسر لعل الحيلة تجعلني مُتميزة أمامَ الدكتورة( ...) والتي لا أظنها إلا عارفة ببُغيتي هي والحريري والشريشي والذي بدوره اكتفى بلمحات خاطفة لتوضيح معاني النص الواحد, ألم يعرف أن هناك الأسلوبية,والتفكيكية والبنيوية والسيميولوجية والدراسة الفنية ! أصلحكَ الله يا شريشي أما كان لك عبقرية فذة تُفكك أسلوب المقامات وتُعيدُ بناءها ثم تدرسها فنياً!! وأنت الشارح اللُغوي الكبير !
مالي أراهم اتحدوا ضدي, ووَقفتْ حِيلتي حائرة, فهربتْ الحيلة وَبقيتُ أنا وحدي في الميدان, وما من مَقامةٍ سهلة وذاتَ لُغةٍ قريبة من الأفهام أُمْسِكُ بها.
وحُشِرْتُ في الزاوية الضيقة التي حاولتُ وحاولتُ أنْ أفِرَ منها لأجدُ متسعاً,والآن يَضيقُ الخناقُ عَليَّ, ومَا مِنْ أصواتٍ أسمعها غيرَ الحَريري وَهو يُثقلُ وَطأتهُ علي ّ بألغازهِ.
لَمْ يتبقَ لي مِنْ أمرٍ إلا أنْ أواجَه البحرَ والعدوَ معا ً وَما أظنني إلا غارقةً. ومع أني أجيد السباحة إلا أنني لمْ أتعودْهَا في العواصفِ الهائجة !!
لِمَ لَمْ يكُن هناك باحث واعد يُرشِدُهُ مُشرفٌ قديرٌ لتحليلِ هذهِ المقامات تحليلا أدبيا وفنيا لنظفرَ منه بمَرجعٍ يَمُدُ لنا يدَ العونِ في هذه المُعضلة !!!!
هاهي المقامات ترمُقني بحدة , لكنها نظرات الوعيد والتهديد, هي تنتظرُ مِدادي لأكتب عنها, فتسخر مني سخريةً لاذعةً ,لكنها تنبُعُ من مرارتي !!!
مكثتُ تسعَ ساعاتٍ لأنتقي مقامةً مُحاولة أن أظفرَ بما يَستوعبه عقلي الصغير, ويدخلُ إلى لبي القاصر, فأعيتني الصفحات, وأعياني زماني كله, وَبتُ أندبُ الحظ العاثر الذي جرني لمصر بلد الثقافة والعلم, أكانَ يُجدر بي أنْ أدرُسَ هذهِ الدراسة المُعقَدة لينعقدَ لساني وحاجبيَّ وكل ما بي !! ونمتُ والكتاب في حضني, ومع الفجر الذي يضجُ حيوية, كتب الله لي بصيصَ الأمل, وأيقظَ فيني العزيمة, وأشعل بي المُضي قُدما بلا هوادة ولا تراجع, فإذا الفكرة تقترب مني وتُشِعُ في رأسي, لِمَ لا أختار أقرب المقامات لروحِي وأحبَها إلي َّ بدون أنْ أضعَ فكرةَ صعوبةَ اللُغة حائلاً بيني وبين الانتقاء, لِمَ صنعوا المُعجم إذن, وهل كان الفيروز آبادي يؤلف قاموسه المُحيط إلا لنُحيطَ بلغتِنا وننهل منهُ ليتسعَ أفقنا, ولكنهُ لو عرف حالي سَيرق لي وسيشفعُ لي عندَ الحَريري معَ أنهما لمْ يلتقيا إلا في العِلم لا الزمان, لعله يلقاه! ألم ألقَ الجاحظ في بيانِه, وابن قتيبة في الشعر والشعراء, والأعشى في معلقته, على الرغم من تفاوت عصورهم ! أليست الأرواح تتخاطب أحياناً , والأفكار والخواطر تتوارد كثيراً ! وهل كانت شفاعتهم في العلم؟! , لا أرى أنَّ أحداً سيشفعُ لي من علماء عصره بل عصري! ولا مَن زمنٍ أخر! , وهل كتاب الموازنة للآمدي شفاعةٌ حسنةٌ لأبي تمام !!! لا أظن!
ما من أحدٍ في العلم إلا وينقدُ سابقيه ومعاصريه, لم يشفعْ لأبي تمام ديوانُه الرائعُ وحماسته التي تلهب النفوس, بل لم يشفع له حصانة المُعتصم الخليفة الشهم لشاعريته, فما زادهم ذلك إلا اتهاما له بالسرقة!! , فكيف سيكون مصيري وأنا الأمة الفقيرة في البضاعة!!!
حسنا لأبتعِدَ عنْ هذا التشاؤم وأفكرُ بتفاؤلٍ كلونِ هذهِ الذُكاة التي بدأتْ تتسلسلُ أشعتُها على وجهي بلا خفرٍ . !
الخطوة الأولى في أي عملٍ هو القبول والاستعداد النفسي هذا ما تعلمناهُ في دورات الاتصال والتواصل والتخطيط والتفنيد !!!
حسنا لابد من الحُب , إنهُ الداء والدواء , هذا السحر العجيب الذي يتسلل إلى النفوس , فنخضع للمحبوب ويخضع هو لنا!!
وأصبح الكتاب رفيقي في (الترام), في الكلية, في المكتبة, لعلي أحبه , أو هوَ يحبني فيُسِرُ لي ببعضِ أحاديث قلبه.! وما أظنُ رِفقة الكتاب جلبتْ لي غيرَ ظُنون الصِحاب بأن بي مسا أو خبالا أو شيئاً من جنون, وأصبحتُ المُضغةَ التي يلوكونها , والنكتة التي تداعبُ شِفاههم !
وأنا لسان حالي كما قال شاعر الفصيح (الجبلي)
فبي من الهمِ مَعنى لا يُصوره = صِدق الشعور ولا وَشيٌ من الكذبِ
وبي من الهم والأحزان ما عجزت = عنه القوافي وأعيا منطق العرب

وكلما تصفحتُ وتصفحتُ ما رأيتُ إلا نفورا من هذهِ اللُغة الغريبة التي حشدها الحريري حشداً , هل نزعَ اللهُ منه الرأفة بنا وبحالنا اللغوي في عصرنا الراهن .
فكيف لو سمعَ الحريري هذه العامية التي باتتْ تنتشرُ انتشارَ النارِ في الهشيم , كيف لو حضرَ مُحاضرةً لأستاذ جامعي يُسهب في الدرس النحوي بلهجته , وهو يكرر على أسماعنا أريد لكم التيسير !!! وهو لم يُرِد إلا التلويث لألسنتنا فتنأى عن الماء الرقراق, وَنَرْشُفُ كدراً وطينا !!!
ماذا لو استمعَ لإعلامنا العَربي هذا الجِهاز الذي كانَ يُسيطرُ عليهِ الشاعر في عصورنا الزاهية فمَا يزيدهُ إلا نضارةً وفصاحة وبيانا, بشاعريته المُتجددة ولُغته الفَصيحة.
ماذا سيصيبه حين يسمعُ نعيقَ الدُعاة لتبسيطِ النحو العربي بحُجة تيسيره ! وهم يهدمون التراث والشعر بل اللُغة في شتى مجالاتها!
توكلتُ على الله لم يكن هناك بُدٌ مِن أنتقي الآن بلا تأخيرٍ فلم يتبقَ غيرُ أربعةِ أيامٍ على الموعدِ,(أليس الصبح بقريب)!!
نعم هذهِ هي المَقامة الوحيدة التي هفتْ نفسي لها, ودخلتْ لروحي منها نشوة الارتياح وسكينة الاطمئنان.
إنها المقامة التاسعة والثلاثون ( العُمانية ) جذبني فيها أمران, الأولُ تلاطم أمواج بحارها التي لّونها الحريري.
وقد أقسمتُ لأَقْطَعَنّ بِحَارها, وأتجاوزنّ عواصفها حتى ترسو بي سفينتي إلى ضفة أمان معانيها المتلفعة بهذهِ الشوارد !
والثاني سأحْتفظُ بهِ خجلا, فما هو مِما يُحْكَى ويُقال , !!
أنا الآن أمامها أفكُ طلاسمها, أترجم غريبها, وأُناشدُ الفيروز آبادي أن يُفشيَ لي بأسرار مُفرداتِها, وحين أريدُ التفصيلَ وبيانَ الشاهدِ الشعري أُهرولُ لابن منظور فحينا يُجدِفُ معي, وحيناً يضيعُ معي في البحور !! ما أظني إلا مُقبلة عليها إقبالَ المُحارب الذي بيدهِ تُرْسِه قبلَ سَيفِه !!!
وسيفي رقيق, لمْ يَقطرْ من دمِ أحد مِنْ قبل,وما أراه إلا مُرهفاً, مُسْتكِيناً في غِمْدِهِ , نائماً عنْ عُذالهِ !
ها أنا أسمعُ نِداءَ المَقامة, تصرخُ بي وهيَ تقولُ ( الوقتُ على أفول )
وَمَضيْتُ إليها مُضيَ الجَبان الذي يَهابُ الموتَ فِيها, وهوَ ينتظرُ أنْ ينجوَ بالخروجِ مِنْهَا .
ولأنني كما رأيتم شجاعة, جريئة, فقد أخذتُ قلمي ودونت ما لفتَ نظري في المقامة وحاولتُ أن أفسرَ غريبها , ثم دلفتُ لسردِ قصتها, ففي كل مُقامة أُقصوصة مِن خيال الحريري, الذي لا يتوقفُ عنْ التصويرِ , فيُتعبنا في تَصَورِ مَا تَخُطُ أطيافُه !
ثم أخذتُ أُحللُ البيانَ بكلِ أنواعِه من تشبيهٍ واستعارة وكناية ومجاز مرسل ,
ثم تعرفتُ على المشاعر في فِقرات النص فآلمتني فِقراتي, وزادتْ مشاعرُ الغيظ بي فما أرى إلا عواطفَ مُتأججة تحتاجُ لِمحبرةٍ كبيرةٍ لأسكبَ منها في صفحاتي . هل وُهِبَ هذا الرجل طاقةً شعوريةً غير عادية !!!!
ثمَّ وُجَدَتُ العُقدة بعدَ المَقدمة القَصصية التي سَردها لَنا الحريري, وظفرتُ بِها وَبفِهم نهايةِ الحِكاية, أما حكايتي أنا فمَا زالتْ قائمة بعقدتها طبعا ً !!!
بعدَ ذلكَ أخذتُ في تقطيعِ الأبياتِ الشَعرية التي يَستشهدُ بها هذا الرَجل, فما أعرفُ هل هو ناثرٌ مُجيد أمْ شاعِرٌ نَحرير !!!
لا وَربي فقد أعياني هذا المُخاتل !!
فإذا فيها من المعاني ما تحتاج لصفحات, وبها من التناص الديني ما يجعلني أراجعُ المُعجم المُفهرس لألفاظ القرآن الكريم مراراً, كمْ وددتُ أن أشكرَ محمد عبد الباقي على هذا المُؤَلَف الذي وَفر عليَّ الوقت في معرفة مكان الآية ورقمها لله درّه. وكأنه كان يعرف كسلي وتقصيري في حِفظ الآي.
ثم وَجدتُ رُوحِي عندَ بديعها أَلمَسُ طباقها وأَتحسسُ جِناسها وَأرى مُقابلاتها , وَأُنْصِتُ إلى المُوسيقى الداخلية بتوازن المُفردات وتجانس الأجراس الصوتية, والاستماع لوقعِ سَجْعِهَا على الأذان, فمَا زادني هذا إلا وَلعاً بهذا العَمل الفنّي الرَائع .
بدأتُ أُصدِّق قولَ القائل بأنَّ أجملَ الحُبِ هو مَا كان بَعدَ كُرهٍ !
وَها أنا أَهِمُ بتنقيحِ وترتيبِ البحث على الجِهاز المِسكين الذي لا يشكُو من ضَربي للوحةِ مفاتيحه, ولا يَمَلُ من كثرة ِصُحبتي لهُ, ولا ينفرُ من فظاظتِي مَعاه .
أنسقُ , أرتبُ , أضيفُ , فالإضافاتُ مَرغوبةٌ , وأضعُ بعضاً من مراجعٍ لمْ أرجعْ لها, ولكن المعلومة فيها, أنا على ثقة من ذلك, وثقتي بها لا غير هي التي منعتني من الرجوع إليها !
ثم قدمتُ البحث لأستاذتي الفاضلة , والغرور يتملكني , وتمَ تسليمُ البحثِ , ولكنها رمقتني بنظرات تفحص وتوعد, ولم أُعرها اهتمامي, فما أنا مِمَن يقِفُ عِندَ اللممِ ,ما يُهمني أنني أنهيته وفي الزمن المحدد.
ولأن المثل المصري يُردِدُ ( يا فرحة ما تمت ) فقدْ اِنْتَقلتْ هَذهِ الحال لي بكل أسف , وهذهِ أستاذتي بعدَ يومٍ تُعيدُ لي البحثَ وقد وَضعتْ علاماتَ استفهامٍ كثيرة. وكأنها لا تهوى إلا ذلك, بل الأدهى والأَمر أنها أمرتني بزيادةِ فصل التحليل النفسي للمقامة لأفكَ طلاسمَ شخصياتها المَجهولة, وما أنا في جهاز المخابرات لأفعل. ! رُبما توسمتْ في فراستي خيراً .
أخذته وانطفأتْ مشاعري, وخف توهجي , ووقدة الغرور خفتت, وتلاشيتُ إلى شقتي التي شَهِدتْ فصولَ مُعاناتي !!
لابُد من التفكيرِ بما طلبتْ !!! وَعثرتُ أثناءَ بحثي عن الكُتب النفسية في مواقع تحميل الكتب عبر الإنترنت على كتاب الدكتور الرائع عز الدين إسماعيل ( التفسير النفسي للأدب ) ومن ذلك اليوم وهو رفيقي في كل بحث .
وأخذتُ أقرأ الكتاب وأقرأ دون أن يعتورني مللٌ, أو يمرُ عليَّ خاطرُ فتورٍ .
أي قلمٍ يملكُ هذا المبدع , فقد خطف فكري, وما أراني إلا مُوغلةً في فهمِ كلَ كلمةٍ نَطقَها من صميمِ روحه لم تتوقفْ عندَ حدودِ شفاههِ ولا لَفَظَها لسانه فقط , بل زفرت مع أنفاسه , إنه يكتب بصدق , يبحثُ بجدية , يتفحصُ النفوس , يعرفُ كيفَ يَلِجُ إلى عالمِها فيقدمُ لنا نصوصاً رائعةً في التحليل الأدبي .
وها أنا أُفسرُ شخصيات قصص الحريري, بل وظاهرة اكتظاظ الغريب في أدبِه, والأهم ظاهرة السجع الذي لَعِبَ بها لُعبتَهُ ! مع لمحةٍ عن عصره وتَصَوُرٍ لشخصِه .
وطبعا اِضطرني ذلكَ إلى تأجيل البحث أسبوعا كاملا كنت أحيا فيهِ بين الكتب , أما غذائي فكان بضعَ تمراتٍ يُقِمنَ عظمي ليبقى, قبل أن أفنى !!!
وبعدها قدمته للدكتورة كما طلبتْ وبتنفيذ رؤاها !
ولمْ أجِدُ الراحة إلا حينما زَفُوا لي نبأ فوزي بالدرجة العالية في المادة, فَتنفستُ الصعداء!
للنجاحِ بعدَ الجُهدِ لذةٌ لا يَعْرِفُ حَلاوتها إلا مّن جرب مُعاناة السبيل إليهِا !
حينها شكرتُ الحريري والشريشي والدكتورة (,,,, )وكل الذين تآمروا معي للنهوض بي.
كم كانت قسوتهم عليًّ طريقا إلى نجاحي .
إلا أنني لمْ أفرحْ بتفوقِي مِقدارَ فرحتي بالقيمة التي أدركتُهَا وَكمْ كَانتْ غائِبةً عَنْ ذِهنِي , إنَّ القراءةَ الأُولى لكلِ الأمور غيرُ كافيةٍ لِنَصِلَ إلى كُنهِهَا, عَلينا أنْ نقرأَ الوجوهَ والصفحاتَ والشخوصَ ملياً لِنَعْرِفَ حَقيقتها وإنْ كانتْ مُرة.

28 يوليو, 2011

بين جنبات الغاب

كانت لحظة من لحظات الأنا حين تسود مُتناسية ً مصير بقية النفوس إلا نفسها ! فتُنفِّس عن أثرتها, وتتنفس من دماء غيرها لِتشربَ نخبَ حريتِهِا وتصِمُ مسمعها عنْ صرخاتِ ظلمها للآخر لتحيا بسعادةٍ وهمية ولو للحظةٍ عابرة وبرهة مستعجلة.

فلا هي بقيت في رحم الماء تحيا بأمان وتخلُد للسكينة وتعيش الدفء , ولاهي علت للسماء لتصافح ذرى المجد بنفس عزيزة .
فبقيت على صفحة رقيقة وغشاء واهن, تزفرُ أنات الخوف , وترتدي قناع الخديعة , وتحتضن الألم وتنام على شفا جرف هاو , تترقب سقوطها , وترقب مصيرها نحو استقبال الموج العاتي فالغرق !
ذوتْ الأقاحي على جانبي البحيرة , وتلّون الماء كدرا بعد لون ِالبلور ِالصافي , وحمل َ صورة الغاب التي باتت تحيا فيه لا تقدِر الفرار عنه ولا هي تطيقه .
وركدتْ الحياة فيها مع أنها تعجُ بجميع أنواع الحركة,
والمرايا في عيون الوحش وميضٌ يبرق ُ يُنْذِرُ بدنو ِالخطر !
والأُسدُ ضاع زئيرها في الأثير , يملأُ المسامعَ وهو خاو ٍ,شاء الله أنْ تحيا كبقايا رفاتٍ يَضجُ , أو كجمادات صائحة!!
ولكنها تدّعي الحياة وتمثل الزهو وتتجمل للوهم.
وَ يا لها من حياة.