الثلاثاء، 2 أغسطس 2011

الخطوة الأولى

الخطوة الأولى
طلبتْ مِنا الدُكتورة المُهذبة (...........) تحليلاً دقيقاً في بَحثٍ لا تَقِلُ عَدَدُ صَفَحَاتِه عنْ خمسِ عشرة ورقة, معَ أهميةِ الرُجوع لِلمَراجع, وذلكَ لإحْدى مَقامات الحَريري أَديبنا اللُغوي اللبيب, وفصيحنا العارف الفهيم. وكمْ كانتْ بنا شفيقةً , نَحنُ مَعاشِر الباحثين المُبتدِئين!
وَطفقتُ أشتري الكتابَ, وَكُلِي ثقة بأنَّ النَجاحَ سيَكونُ حَليفِي, وَأنَّ القِراءةَ الأُولى سَتكفَلُ لِيَ التحليلَ الدقيقَ, وَخاصةً أنَّ التحليلَ اللُغوي دَيدني في أوقاتِ فراغي.
ولا أُريدُ أنْ أُطيلَ عَليْكُم فقدْ كَانَتْ الدَهشةُ مَرسومةً على كلِ مَلامحِي بعدَ أنْ دَلُفتُ لِقراءةِ الكتابِ, وأصبحَ الهمُ رفيقي, فمَا مِنْ كَلمةٍ سَهلةٍ, قريبةٍ إلى الأفهامِ في هذا الكتاب, وإنْ اقتنصْتُهَا فَإنَّ السياقَ العامَ لِلجملةِ يَجعلُكَ شريداً, هارباً عنها, غيرَ ظافرٍ بأيِّ مَعنىً منها!
فمَا كان مني وعلى حين خِلسةٍ من ضَميري إلا أنْ أتصفحَ (النت) لَعلي أظفرُ بمَقامةٍ مُعَدَة و مُحللة تحليلا لغوياً وفنياً , فكان الفشلُ الذريع هو جَزائي !!! لا يَوجدُ في عالم (النتِ) أي مَقامة تمَ تناولها بالدرس الأدبي ! نهايةٌ أسيفةٌ بعدَ البحث المُضني !!! أمَا مِنْ باحثٍ قامَ مشكوراً بتحليلِ مَقامة من مقاماتِ الحريري ولو عنْ طريقِ القِراءة الخَاطفة, أو الهِواية التي تَجُرنا أحياناً لِقراءةِ ما لا نريد فنقعَ على ما نريد! وليتني وقعتُ على مَا أريد !
بدأتْ وجنتيَّ بالاحمرارِ وَهُما كذلك في حالتي الخجل والغضب ! بالطبع كانتْ العلة هذه المرة كلتا العلتين. الخجل من ضميري, فسرعان ما أيقظني إحساس الندم !! والغضب من هذه الأناة الحالمة التي أحياها !!! فمَا أنا فاعلةٌ في أمري, والوقتُ ينسلُ مِنْ بينِ يدي, ولابُد منْ تسليمِ البحثِ بعد أسبوع!حسناً , خَطرَ لي خاطرٌ لكن نِسبة البراءة فيهِ أكبر! أن أضعَ موضوعاً في الفصيحِ لعلَّ أحدهم يُفصِحُ لي مَشكوراً بحلٍ لهذا الموضوع أو لديهِ تحليل بلاغي أو حتى تحليل مُبهم, المهم أنه تحليل لُغوي وكفى . فيغيثني به !!! ومكث الموضوع يومين, وفي اليوم الثالث أدركتُ أنهُ ما مِن سبيل إلا صاحب الكتاب أسألهُ لَعلَّ قلبَهُ يَرِقُ لِي, أيُفْصِحُ لِي الحَريري عَنْ مَكنونِ كلماته الغريبةِ والتي جمعَها في صعيدٍ واحد. تصفحتُ الكِتابَ على مَضضٍ, وقهقهةَ الحريري ما تزيدني إلا تحدياً, وتُصاحبني في كل صفحة ٍأتصفحها, وكان يتوجب عَليَّ في البدءِ أن أنتقيَ مقامةً من الأربعين, لتظفرَ بتحليلي السامي وهوايتي التي أراها اليومَ مبعثَ أحزاني بعدَ أنْ كانتْ سببَ مَسراتي.
ولكن مُجبراً أخوك لا بطل !!!!
كانَ هدفي أن أنتقيَ الأسهل والأيسر لعل الحيلة تجعلني مُتميزة أمامَ الدكتورة( ...) والتي لا أظنها إلا عارفة ببُغيتي هي والحريري والشريشي والذي بدوره اكتفى بلمحات خاطفة لتوضيح معاني النص الواحد, ألم يعرف أن هناك الأسلوبية,والتفكيكية والبنيوية والسيميولوجية والدراسة الفنية ! أصلحكَ الله يا شريشي أما كان لك عبقرية فذة تُفكك أسلوب المقامات وتُعيدُ بناءها ثم تدرسها فنياً!! وأنت الشارح اللُغوي الكبير !
مالي أراهم اتحدوا ضدي, ووَقفتْ حِيلتي حائرة, فهربتْ الحيلة وَبقيتُ أنا وحدي في الميدان, وما من مَقامةٍ سهلة وذاتَ لُغةٍ قريبة من الأفهام أُمْسِكُ بها.
وحُشِرْتُ في الزاوية الضيقة التي حاولتُ وحاولتُ أنْ أفِرَ منها لأجدُ متسعاً,والآن يَضيقُ الخناقُ عَليَّ, ومَا مِنْ أصواتٍ أسمعها غيرَ الحَريري وَهو يُثقلُ وَطأتهُ علي ّ بألغازهِ.
لَمْ يتبقَ لي مِنْ أمرٍ إلا أنْ أواجَه البحرَ والعدوَ معا ً وَما أظنني إلا غارقةً. ومع أني أجيد السباحة إلا أنني لمْ أتعودْهَا في العواصفِ الهائجة !!
لِمَ لَمْ يكُن هناك باحث واعد يُرشِدُهُ مُشرفٌ قديرٌ لتحليلِ هذهِ المقامات تحليلا أدبيا وفنيا لنظفرَ منه بمَرجعٍ يَمُدُ لنا يدَ العونِ في هذه المُعضلة !!!!
هاهي المقامات ترمُقني بحدة , لكنها نظرات الوعيد والتهديد, هي تنتظرُ مِدادي لأكتب عنها, فتسخر مني سخريةً لاذعةً ,لكنها تنبُعُ من مرارتي !!!
مكثتُ تسعَ ساعاتٍ لأنتقي مقامةً مُحاولة أن أظفرَ بما يَستوعبه عقلي الصغير, ويدخلُ إلى لبي القاصر, فأعيتني الصفحات, وأعياني زماني كله, وَبتُ أندبُ الحظ العاثر الذي جرني لمصر بلد الثقافة والعلم, أكانَ يُجدر بي أنْ أدرُسَ هذهِ الدراسة المُعقَدة لينعقدَ لساني وحاجبيَّ وكل ما بي !! ونمتُ والكتاب في حضني, ومع الفجر الذي يضجُ حيوية, كتب الله لي بصيصَ الأمل, وأيقظَ فيني العزيمة, وأشعل بي المُضي قُدما بلا هوادة ولا تراجع, فإذا الفكرة تقترب مني وتُشِعُ في رأسي, لِمَ لا أختار أقرب المقامات لروحِي وأحبَها إلي َّ بدون أنْ أضعَ فكرةَ صعوبةَ اللُغة حائلاً بيني وبين الانتقاء, لِمَ صنعوا المُعجم إذن, وهل كان الفيروز آبادي يؤلف قاموسه المُحيط إلا لنُحيطَ بلغتِنا وننهل منهُ ليتسعَ أفقنا, ولكنهُ لو عرف حالي سَيرق لي وسيشفعُ لي عندَ الحَريري معَ أنهما لمْ يلتقيا إلا في العِلم لا الزمان, لعله يلقاه! ألم ألقَ الجاحظ في بيانِه, وابن قتيبة في الشعر والشعراء, والأعشى في معلقته, على الرغم من تفاوت عصورهم ! أليست الأرواح تتخاطب أحياناً , والأفكار والخواطر تتوارد كثيراً ! وهل كانت شفاعتهم في العلم؟! , لا أرى أنَّ أحداً سيشفعُ لي من علماء عصره بل عصري! ولا مَن زمنٍ أخر! , وهل كتاب الموازنة للآمدي شفاعةٌ حسنةٌ لأبي تمام !!! لا أظن!
ما من أحدٍ في العلم إلا وينقدُ سابقيه ومعاصريه, لم يشفعْ لأبي تمام ديوانُه الرائعُ وحماسته التي تلهب النفوس, بل لم يشفع له حصانة المُعتصم الخليفة الشهم لشاعريته, فما زادهم ذلك إلا اتهاما له بالسرقة!! , فكيف سيكون مصيري وأنا الأمة الفقيرة في البضاعة!!!
حسنا لأبتعِدَ عنْ هذا التشاؤم وأفكرُ بتفاؤلٍ كلونِ هذهِ الذُكاة التي بدأتْ تتسلسلُ أشعتُها على وجهي بلا خفرٍ . !
الخطوة الأولى في أي عملٍ هو القبول والاستعداد النفسي هذا ما تعلمناهُ في دورات الاتصال والتواصل والتخطيط والتفنيد !!!
حسنا لابد من الحُب , إنهُ الداء والدواء , هذا السحر العجيب الذي يتسلل إلى النفوس , فنخضع للمحبوب ويخضع هو لنا!!
وأصبح الكتاب رفيقي في (الترام), في الكلية, في المكتبة, لعلي أحبه , أو هوَ يحبني فيُسِرُ لي ببعضِ أحاديث قلبه.! وما أظنُ رِفقة الكتاب جلبتْ لي غيرَ ظُنون الصِحاب بأن بي مسا أو خبالا أو شيئاً من جنون, وأصبحتُ المُضغةَ التي يلوكونها , والنكتة التي تداعبُ شِفاههم !
وأنا لسان حالي كما قال شاعر الفصيح (الجبلي)
فبي من الهمِ مَعنى لا يُصوره = صِدق الشعور ولا وَشيٌ من الكذبِ
وبي من الهم والأحزان ما عجزت = عنه القوافي وأعيا منطق العرب

وكلما تصفحتُ وتصفحتُ ما رأيتُ إلا نفورا من هذهِ اللُغة الغريبة التي حشدها الحريري حشداً , هل نزعَ اللهُ منه الرأفة بنا وبحالنا اللغوي في عصرنا الراهن .
فكيف لو سمعَ الحريري هذه العامية التي باتتْ تنتشرُ انتشارَ النارِ في الهشيم , كيف لو حضرَ مُحاضرةً لأستاذ جامعي يُسهب في الدرس النحوي بلهجته , وهو يكرر على أسماعنا أريد لكم التيسير !!! وهو لم يُرِد إلا التلويث لألسنتنا فتنأى عن الماء الرقراق, وَنَرْشُفُ كدراً وطينا !!!
ماذا لو استمعَ لإعلامنا العَربي هذا الجِهاز الذي كانَ يُسيطرُ عليهِ الشاعر في عصورنا الزاهية فمَا يزيدهُ إلا نضارةً وفصاحة وبيانا, بشاعريته المُتجددة ولُغته الفَصيحة.
ماذا سيصيبه حين يسمعُ نعيقَ الدُعاة لتبسيطِ النحو العربي بحُجة تيسيره ! وهم يهدمون التراث والشعر بل اللُغة في شتى مجالاتها!
توكلتُ على الله لم يكن هناك بُدٌ مِن أنتقي الآن بلا تأخيرٍ فلم يتبقَ غيرُ أربعةِ أيامٍ على الموعدِ,(أليس الصبح بقريب)!!
نعم هذهِ هي المَقامة الوحيدة التي هفتْ نفسي لها, ودخلتْ لروحي منها نشوة الارتياح وسكينة الاطمئنان.
إنها المقامة التاسعة والثلاثون ( العُمانية ) جذبني فيها أمران, الأولُ تلاطم أمواج بحارها التي لّونها الحريري.
وقد أقسمتُ لأَقْطَعَنّ بِحَارها, وأتجاوزنّ عواصفها حتى ترسو بي سفينتي إلى ضفة أمان معانيها المتلفعة بهذهِ الشوارد !
والثاني سأحْتفظُ بهِ خجلا, فما هو مِما يُحْكَى ويُقال , !!
أنا الآن أمامها أفكُ طلاسمها, أترجم غريبها, وأُناشدُ الفيروز آبادي أن يُفشيَ لي بأسرار مُفرداتِها, وحين أريدُ التفصيلَ وبيانَ الشاهدِ الشعري أُهرولُ لابن منظور فحينا يُجدِفُ معي, وحيناً يضيعُ معي في البحور !! ما أظني إلا مُقبلة عليها إقبالَ المُحارب الذي بيدهِ تُرْسِه قبلَ سَيفِه !!!
وسيفي رقيق, لمْ يَقطرْ من دمِ أحد مِنْ قبل,وما أراه إلا مُرهفاً, مُسْتكِيناً في غِمْدِهِ , نائماً عنْ عُذالهِ !
ها أنا أسمعُ نِداءَ المَقامة, تصرخُ بي وهيَ تقولُ ( الوقتُ على أفول )
وَمَضيْتُ إليها مُضيَ الجَبان الذي يَهابُ الموتَ فِيها, وهوَ ينتظرُ أنْ ينجوَ بالخروجِ مِنْهَا .
ولأنني كما رأيتم شجاعة, جريئة, فقد أخذتُ قلمي ودونت ما لفتَ نظري في المقامة وحاولتُ أن أفسرَ غريبها , ثم دلفتُ لسردِ قصتها, ففي كل مُقامة أُقصوصة مِن خيال الحريري, الذي لا يتوقفُ عنْ التصويرِ , فيُتعبنا في تَصَورِ مَا تَخُطُ أطيافُه !
ثم أخذتُ أُحللُ البيانَ بكلِ أنواعِه من تشبيهٍ واستعارة وكناية ومجاز مرسل ,
ثم تعرفتُ على المشاعر في فِقرات النص فآلمتني فِقراتي, وزادتْ مشاعرُ الغيظ بي فما أرى إلا عواطفَ مُتأججة تحتاجُ لِمحبرةٍ كبيرةٍ لأسكبَ منها في صفحاتي . هل وُهِبَ هذا الرجل طاقةً شعوريةً غير عادية !!!!
ثمَّ وُجَدَتُ العُقدة بعدَ المَقدمة القَصصية التي سَردها لَنا الحريري, وظفرتُ بِها وَبفِهم نهايةِ الحِكاية, أما حكايتي أنا فمَا زالتْ قائمة بعقدتها طبعا ً !!!
بعدَ ذلكَ أخذتُ في تقطيعِ الأبياتِ الشَعرية التي يَستشهدُ بها هذا الرَجل, فما أعرفُ هل هو ناثرٌ مُجيد أمْ شاعِرٌ نَحرير !!!
لا وَربي فقد أعياني هذا المُخاتل !!
فإذا فيها من المعاني ما تحتاج لصفحات, وبها من التناص الديني ما يجعلني أراجعُ المُعجم المُفهرس لألفاظ القرآن الكريم مراراً, كمْ وددتُ أن أشكرَ محمد عبد الباقي على هذا المُؤَلَف الذي وَفر عليَّ الوقت في معرفة مكان الآية ورقمها لله درّه. وكأنه كان يعرف كسلي وتقصيري في حِفظ الآي.
ثم وَجدتُ رُوحِي عندَ بديعها أَلمَسُ طباقها وأَتحسسُ جِناسها وَأرى مُقابلاتها , وَأُنْصِتُ إلى المُوسيقى الداخلية بتوازن المُفردات وتجانس الأجراس الصوتية, والاستماع لوقعِ سَجْعِهَا على الأذان, فمَا زادني هذا إلا وَلعاً بهذا العَمل الفنّي الرَائع .
بدأتُ أُصدِّق قولَ القائل بأنَّ أجملَ الحُبِ هو مَا كان بَعدَ كُرهٍ !
وَها أنا أَهِمُ بتنقيحِ وترتيبِ البحث على الجِهاز المِسكين الذي لا يشكُو من ضَربي للوحةِ مفاتيحه, ولا يَمَلُ من كثرة ِصُحبتي لهُ, ولا ينفرُ من فظاظتِي مَعاه .
أنسقُ , أرتبُ , أضيفُ , فالإضافاتُ مَرغوبةٌ , وأضعُ بعضاً من مراجعٍ لمْ أرجعْ لها, ولكن المعلومة فيها, أنا على ثقة من ذلك, وثقتي بها لا غير هي التي منعتني من الرجوع إليها !
ثم قدمتُ البحث لأستاذتي الفاضلة , والغرور يتملكني , وتمَ تسليمُ البحثِ , ولكنها رمقتني بنظرات تفحص وتوعد, ولم أُعرها اهتمامي, فما أنا مِمَن يقِفُ عِندَ اللممِ ,ما يُهمني أنني أنهيته وفي الزمن المحدد.
ولأن المثل المصري يُردِدُ ( يا فرحة ما تمت ) فقدْ اِنْتَقلتْ هَذهِ الحال لي بكل أسف , وهذهِ أستاذتي بعدَ يومٍ تُعيدُ لي البحثَ وقد وَضعتْ علاماتَ استفهامٍ كثيرة. وكأنها لا تهوى إلا ذلك, بل الأدهى والأَمر أنها أمرتني بزيادةِ فصل التحليل النفسي للمقامة لأفكَ طلاسمَ شخصياتها المَجهولة, وما أنا في جهاز المخابرات لأفعل. ! رُبما توسمتْ في فراستي خيراً .
أخذته وانطفأتْ مشاعري, وخف توهجي , ووقدة الغرور خفتت, وتلاشيتُ إلى شقتي التي شَهِدتْ فصولَ مُعاناتي !!
لابُد من التفكيرِ بما طلبتْ !!! وَعثرتُ أثناءَ بحثي عن الكُتب النفسية في مواقع تحميل الكتب عبر الإنترنت على كتاب الدكتور الرائع عز الدين إسماعيل ( التفسير النفسي للأدب ) ومن ذلك اليوم وهو رفيقي في كل بحث .
وأخذتُ أقرأ الكتاب وأقرأ دون أن يعتورني مللٌ, أو يمرُ عليَّ خاطرُ فتورٍ .
أي قلمٍ يملكُ هذا المبدع , فقد خطف فكري, وما أراني إلا مُوغلةً في فهمِ كلَ كلمةٍ نَطقَها من صميمِ روحه لم تتوقفْ عندَ حدودِ شفاههِ ولا لَفَظَها لسانه فقط , بل زفرت مع أنفاسه , إنه يكتب بصدق , يبحثُ بجدية , يتفحصُ النفوس , يعرفُ كيفَ يَلِجُ إلى عالمِها فيقدمُ لنا نصوصاً رائعةً في التحليل الأدبي .
وها أنا أُفسرُ شخصيات قصص الحريري, بل وظاهرة اكتظاظ الغريب في أدبِه, والأهم ظاهرة السجع الذي لَعِبَ بها لُعبتَهُ ! مع لمحةٍ عن عصره وتَصَوُرٍ لشخصِه .
وطبعا اِضطرني ذلكَ إلى تأجيل البحث أسبوعا كاملا كنت أحيا فيهِ بين الكتب , أما غذائي فكان بضعَ تمراتٍ يُقِمنَ عظمي ليبقى, قبل أن أفنى !!!
وبعدها قدمته للدكتورة كما طلبتْ وبتنفيذ رؤاها !
ولمْ أجِدُ الراحة إلا حينما زَفُوا لي نبأ فوزي بالدرجة العالية في المادة, فَتنفستُ الصعداء!
للنجاحِ بعدَ الجُهدِ لذةٌ لا يَعْرِفُ حَلاوتها إلا مّن جرب مُعاناة السبيل إليهِا !
حينها شكرتُ الحريري والشريشي والدكتورة (,,,, )وكل الذين تآمروا معي للنهوض بي.
كم كانت قسوتهم عليًّ طريقا إلى نجاحي .
إلا أنني لمْ أفرحْ بتفوقِي مِقدارَ فرحتي بالقيمة التي أدركتُهَا وَكمْ كَانتْ غائِبةً عَنْ ذِهنِي , إنَّ القراءةَ الأُولى لكلِ الأمور غيرُ كافيةٍ لِنَصِلَ إلى كُنهِهَا, عَلينا أنْ نقرأَ الوجوهَ والصفحاتَ والشخوصَ ملياً لِنَعْرِفَ حَقيقتها وإنْ كانتْ مُرة.

الخميس، 28 يوليو 2011

بين جنبات الغاب

كانت لحظة من لحظات الأنا حين تسود مُتناسية ً مصير بقية النفوس إلا نفسها ! فتُنفِّس عن أثرتها, وتتنفس من دماء غيرها لِتشربَ نخبَ حريتِهِا وتصِمُ مسمعها عنْ صرخاتِ ظلمها للآخر لتحيا بسعادةٍ وهمية ولو للحظةٍ عابرة وبرهة مستعجلة.

فلا هي بقيت في رحم الماء تحيا بأمان وتخلُد للسكينة وتعيش الدفء , ولاهي علت للسماء لتصافح ذرى المجد بنفس عزيزة .
فبقيت على صفحة رقيقة وغشاء واهن, تزفرُ أنات الخوف , وترتدي قناع الخديعة , وتحتضن الألم وتنام على شفا جرف هاو , تترقب سقوطها , وترقب مصيرها نحو استقبال الموج العاتي فالغرق !
ذوتْ الأقاحي على جانبي البحيرة , وتلّون الماء كدرا بعد لون ِالبلور ِالصافي , وحمل َ صورة الغاب التي باتت تحيا فيه لا تقدِر الفرار عنه ولا هي تطيقه .
وركدتْ الحياة فيها مع أنها تعجُ بجميع أنواع الحركة,
والمرايا في عيون الوحش وميضٌ يبرق ُ يُنْذِرُ بدنو ِالخطر !
والأُسدُ ضاع زئيرها في الأثير , يملأُ المسامعَ وهو خاو ٍ,شاء الله أنْ تحيا كبقايا رفاتٍ يَضجُ , أو كجمادات صائحة!!
ولكنها تدّعي الحياة وتمثل الزهو وتتجمل للوهم.
وَ يا لها من حياة.

الأربعاء، 6 يوليو 2011

إلى كل مَن يستقل الترام مع كامل احترامي





حينما أحضرُ للإسكندرية لمواصلة دراستي من حين لآخر ُأُحب جدا أن استقلَ التُرام في تنقلاتي, وحينما أبوحُ لأصدقائِي بهذا السِر تستوقفهم الدهشة, وفي الواقع لا أجدُ في حِيرتهم غرابة أبدا, لأنهم ينظرون للجوانب المُظلمةِ في الترام.

الترام قِطار ذو كراسي غير مُريحة صُنِعتْ من حديدٍ أملس, أفلحَ الحدّاد في جعل الاستقامة جسدا لها, بزوايا قائمة لا مكان لظهرك المُنهك أن يستلقيَ بمرونةٍ عليه أو ينال قِسطا من راحة عاجلة !!!
وقد لا تظفرُ بكرسي فيه ـ على الرغم مِن أنك تُهرولُ إليه ظنا منك أنك ستحضر قبل الآخرين فتفوز بقصب السبق !!
وفي النهاية تضطر للوقوفِ حتى تصلَ لِمحطتك, وقد لا تصل لمحطتك التي تريدها إلا بعد خمس أو تسع أو خمس عشرة محطة, وهذا يُهدر وقتك ,ومن الأفضل أن تُبكِّر بالخروج قبل موعدك بساعة لتصلَ في الموعدِ المُحدد ولكن وأنت يدك على قلبك .!!

الوضع فيه ِغير آمن, قد يتم سرقتك فيهِ وبكل سهولة وبدون أن تشعر بسبب الازدحام.والسبب الأهم ـ (الفهلوة) ـ خِفة اليد والخِبرة !!!

كما أنك لا تُحسُ بالاطمئنان, قد ترى بِأمِّ عينيك عددا كبيرا من النزاعات بين ( الكُمسري ) والمتسولين الذين يرفضون دفع الربع جنيه ـ على ضآلته ـ !!! وفي مثل هذا الموقف عليكَ أن تلوذَ بالصمت , وتطوي كشحا عنهم, لئلا يلمزوك أو يدفعوا قدمك لنزاع ٍلا تعرف ُ لهُ نهاية من بداية!!
وقد يلزمُك تكلف الابتسامة في وجوههم العابسة الغاضبة لئلا يظنوك مُوافقا على ما يحدث أو طرفا في النِزال.
وعلى كلِ حال فلن تخسرَ شيئا فالابتسامة في وجه أخيك صدقة.
وباعتقادي ـ وعن تجربة ـ أنّ ادعاء الغباء أو الصمم هي أفضل الحلول للنجاةِ بروحك الزهيدة عندهم !!

هذا فضلا عن صخب القِطار الذي يوقظك من سكينتك بلا رحمة !!!
لذا لا تظن أنك ستستمع لموسيقى هادئة أو أصوات دافئة أو حتى هدوء عابر ينقلك لراحة خاطفة!!

أما أبواب القِطار فقد قطعتْ عهدا مع الناس أن تكون مفتوحة لهم دائما لا تُغلَق في وجوههم أبدا , حتى أثناء سيرها المُتقطع المُرعب !!!
وعلى ما في ذلك من خطورة إلا أن المُراهقين يستقلونه قفزا كرياضة جديدة رائعة يتفاخرون بها !!!
وقد شاهدتُ أكثر من مرة سقوطا لِنساء أو فتياتٍ من الباب بسبب الازدحام أو الوقوف المفاجئ !!!

والجو العام فيه ُمتأزم حيثُ تشعر بأن الكل متوتر, قلق, خائف, والوجوه واجمة !! لأنّ الفئات الموجودة هم من الطوائف الكادحة التي تستمر في العمل ساعات طويلة يبدو على وجوهها الإرهاق والكدح والصبر أما التجاعيد فخطتها الشمس بكل جرأة على ملامحهم.!

لا يمر الترام على مزارع وبساتين خضراء أو حدائق ومشاهد جميلة, ولكنه يمر بك على أماكن سكن الناس البسطاء, حيثُ الأماكن الرديئة والبيوت المتهدمة , والأحياء القديمة التي تصرخ ألما وضجرا من الحياة الرائحة منها وهي في آخر عهدها ترنو للتجدد ولكن :
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيا , ولكن لا حياة لمن تنادي
أتُرى شاعرنا نظمَ هذا البيت في مناسبة كَهذهِ !!!!

!!! وفي طريقك لا تُصيبك الدهشة أو الحيرة لأنك وبكل بساطة من الممكن أن ترى أي مشهد يتجاوز أبسط حدود النظافة أو اللياقة الاجتماعية أو الورع الديني !!!!

لن تتمتعَ في الترام بحرية شخصية مثل تلك الحرية التي تحصل عليها وأنت في سيارة الأجرة أو سيارة السائق فأنت مُراقب مِن الجميع وعليك أن تكون مُتحفظا قدر الإمكان خاصة وأنت غريب عن هذا المكان !!

ومع ذلك فأنا أعشق هذه الوسيلة عشقا يجعلني أخرجُ قبل موعد محاضراتي بسويعات لأعيشَ مع الناس والبسطاء وأفهم معاناتهم وأنال خِبرة كافية من الحياة وأفهم شرائح الناس !!!

يتسنى لك أن تُصغي لمعاناتهم , أو أحاديث السيدات التي يتسامرن بها عن غلاء الأسعار أو الخلل الوظيفي أو انتخاب المرشح الفلاني أو سوء نية المدير الفلاني أو عادات العيد أو طوائف المجتمع أو نتيجة مُباراة الأمس ,أنت ترى المسيحي واليهودي والمسلم في مكان واحد يتقاسمون اللقمة والهواء والمكان والحاجات ويتبادلون المنافع بكل ود واحترام .

أجدُ متعتي في تأمل البشر وطوائفهم البسيطة واختلاف مشاربهم وألفاظهم بل وأخلاقهم, هي حياة أخرى مختلفة.
أنت تقف وعليكَ أنْ تُنصتَ وتُصغِي باهتمام لتعرفَ أنّ لكل شيء سبب وعِلة وتقتنصُ العِبرَ وتعرف كيف تسير الحياة في بلد غني أهلهُ فقراء !!!
كما أنك تطلّع على لهجاتٍ مختلفة في بلد ثقافي تجد فيه جميع الجنسيات يحملون معهم من بلادهم ثقافات مختلفة ولغات أخرى !!!

مع أن الكل يتحدث اللهجة المصرية بسهولة وأنت تعرف ذلك إن ْ بادرت أحدهم بالسؤال عن شيء فقط, أما إنْ تركته يسترسل بالحديث مع طفلِه أو أسرته فأنت تستمع لشريط سينمائي مؤثر يصف وجع عائلة تحمل جنسية أخرى !!
في الحقيقة إنني أحيا رحلة مجانية لا تكلفني غير الإصغاء والتأمل والنظر أعودُ بعدها بمئاتِ الأسئلة والأفكار, وقد أجدُ لكثير من أسئلتي إجابات شافية عند أصدقائي, وأخرى غير معروفة الجواب !!!! ولكنها تُقلِقُ فضولي الدائم الباحث عن الحقيقة.

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

قلب لا يتنفس







هزيمة مُنيت َ بها, وأضحتْ حليفك في نهايات الطرق الوعرة التي سِرتَ بها بسرور, وسارتْ هي معك على سجيتها لِتتحالفَ مع الحلم ضدك !
وعلى الرغم من علو عزيمتك ومسالمتك , يغدو الغدر غريمك الذي يقابلك دائما في مساراتك !
الفشلُ يرسمُ لوحاتِه أبداً على كل الأشياء ِ, ويأبى التراجُعَ , ويُصر ُ على النجاح في آمالنا , لينزعَ منها أحلى أحلامنا, ويترك لنا سرابا حيثُ نبْقى عطشى ونفقدُ لذة السعي , وبهجة الوصول , ونشوة الوصال !!
الصبرُ هو الزاد, حين يُحْكِم الجوع ُ زمامَه في مصائرنا , ويُقرر سطوته , وينشرُ ُعيونه !
والتأسي يضيعُ في متاهاتِ مشاعرنا فيعود أسى وكان هو الطبيب الآسي!! .
يصرخُ في جروحنا فيُلهبها ألما ويزيدها وجعا .
الأمل يزغردُ خارج أسوارنا, بعيدا عنْ أسرابنا , يُغرد لِمن لمْ يتألمْ يوماً.!
أما معنا فهو ألم يتجدد , وأمنية تُفلتْ من بين أيدينا, وكنز ٌ يسرقه الغريب منا. مع أنه قد كان لنا !!
ومِنْ ثَمّ يغدو الأمل ألماً مُحققاً, وتمثالاً عاجياً لا ينطق لنا بشيء أبداً.
هو الجمال حين يصمت .
ما بال المفاتيح لا نملكُ لها أبواباً !!
هي حديد بالٍ في أيدينا.
غدتْ آمالنا طلاسم لا نعرفُ لها شفرات لنترجمَها إلى لغة نتعامل بها !!
والغيوم تستحيل ضبابا, تحجبُ النهار عن بصائرنا. لنبقى بلا بصائر على الرغم من عيوننا الواسعة وقلوبنا المُحبة وعقولنا النيّرة وذكائنا المُتوقد, وأحلامنا العزيزة, وطموحنا النبيل !
فالبصائر معصوبة وتنتظر من يَحُلُ رباطها لترى الحياة.!
وفي الحقيقة نحنُ ننتظر الموت الآخر لأرواحنا عند يوم الرواح !!