الاثنين، 8 فبراير 2016



الرومانسية وتراثنا الشعري


هدى عبد العزيز

    يقول كولردج: (ليست الصور وحدها مهما بلغ جمالها كانت مطابقتها للواقع, ومهما عبر عنها الشاعر بدقة, هي الشيء الوحيد الذي يُميز الشاعر الصادق, وإنما تُصبحُ الصورُ معيارا للعبقرية الأصلية حين تُشكِلُها عاطفة سائدة أو مجموعة من الأفكار والصور المترابطة أثارتها عاطفة سائدة, وحينما تتحول فيها الكثرة إلى الوحدة والتتالي إلى لحظة واحدة, وحينما يُضفي عليها الشاعر من روحه حياة إنسانية وفكرية) 1 الشاعر العربي القديم كان مُجددا في شعرهِ, يرى في ديوانِه جوانبَ منْ حُريتِه, ليؤلفَ منْ شعورهِ أشعارَهُ, ويترجمَ منْ زفراتِ أناتِهِ أنغامًا مُوسيقية, ويرسمَ منْ غضبهِ صورًا مُبتكَرة, ويَخُطُ منْ اضطهادِهِ حروفًا تصرخُ بأوجاعِه, وهو يقومُ بكل هذا من غيرِ أنْ يُطلبَ منهُ, سِوى أنّ أصالتَه أوحتْ لهُ بهذا على شرفِ مَلَكَة موهبته الشعرية. إننا نرى على سبيل المثال لا الحصر أن التغنيَ بانفلاتِ الزمن وُجِدَ عند الشاعر العربي. انظر إلي المتنبي وهو يقول:
فؤادٌ مَا تُسَّلِيهِ المُدَامُ
وَعُمْرٌ مِثلُ مَا تَهِبُ الّلئَامُ 2  
أيُ فؤادٍ هذا الذي لا تُسليه المُدام.. بكل ما تفعله من فك للكوابح, وأيُ عُمرٍ ذلك الذي يشبهُ هِبة الِلئَام, وهلْ تَهِب اللئام شيئا؟ إنهُ شاعرٌ أصيل عبّر عن خلجاتِ روحِهِ, وتركَ العنانَ لمشاعرهِ فسكبتْ مِدادا يَضجُ بالصدقِ, يتسربُ إلى أرواحِنا ليطبعَ فيها احترامَ وحُبَّ هذا الشاعِر, بل ونحيا مَعهُ تجربَتهُ, ونتفهمُ أسرارَ غضبِهِ حينَ يثورُ, ونزغردُ في أعراسِ أفراحِهِ حين يبتهج, ونشاركُهُ آلامَهُ ونحسُ غربتَهُ, فنتوحد معه في كل ما يقولُ ويصدرُ عنه, حتى فِي خيالِه نُسافِرُ معهُ لأفقٍ قدْ اختارهُ لنا دربًا ومسلكًا, ومع ذلك نرتقي معهُ في حُلمِه طائعين بل يُسابقُ بعضُنا بعضَا, فمَنْ سيظفرُ بالحُلمِ ويعيشُ جمالَه منا قبلَ الآخر؟
ثم يُعلنُ نداءُ الفجرِ الجديدِ نهايةَ ليلةٍ معَ قراءةِ قصيدة, هي تجربةٌ حيةٌ قدْ خُضناها معهُ, وإنْ لمْ نخُضها في حياتِنَا. فنطردُ مشاعرَ سلبيةً منْ نفوسِنَا, ونخلصُ إلى هدوءِ البالِ, لأنهُ عبّرَ بكلِ تفوقٍ وألمعيةٍ عنْ تجربةٍ قدْ تأثرنا بها يوماً ما, ولكن مَلَكة التعبير لمْ تكُن هِبَة لنا, فظلتْ في نفوسنا تتألمُ ,حتى أتى هذا الشاعر الفذ الذي وهبه الله ملكة التعبير الإبداعي, فأخرج أناتنا, وصرخَ بأوجاعِنا, ورسمَ أحلامَنا, وسكبَ على مرأى نواظِرِنا تلاطمَ مشاعِرِنا بشاعريتِهِ وبعبقريَتِه.ِ ونشتاقُ لِلعَوْد مع قصيدةٍ جديدةٍ في ليلٍ شاعريٍ يُنادينا لهُ الشاعر, الذي كشفَ لنا فلسفةً من فلسفاتِ الحَياة, بروحِهِ الحَساسةِ الذّكيَةِ المُحَلِقة, والتي أتتْ بالرومانسية فِي شكلٍ مِنْ أشْكَالِهَا قبلِ قِيَامِهَا. وهُنا تكونُ عبقرية الفنان وتميز الأدب العربي حينما نُمْعَن فيه بعمق. فهو ثري بثراء اللُغة التِي هي أداة تعبيره. هذا ابن الرُومِي ذلكَ المُتطير المتوتر يقول:
ولقد مُنِعْتُ مِنَ المَرافقِ كُلِّها
حَتى مُنعتُ مَرافِقَ الأحَْلامِ
مِن ذَاكَ أنِي مَا أرَانِيَ طاعِما
فِيْ النّومِ أوْ مُتعرِّضا لطعَامِ
إلا رأيت منْ الشقاءِ كَأنني
أُثنِى وَاكْبح دُونَهُ بِلجَامِ 3
قدْ حُرمَ مِنْ كلِ شيء.. حتى فِي الأحلامِ.. كُلما حَاولَ أنْ يأكلَ يُكبَحُ غصباً وكأنهُ ملجوم ومسلوب الإرادة. 4
ويقول أيضا:
لِمَا تُؤذن الدُنيا بهِ مِنْ صُروفِهَا
يَكونُ بُكَاءُ الطفلِ ساعةَ يُوْلَدُ
وَإلاَ فَمَا يُبْكِيهِ مِنهَا
وَإنهَا لأْفْسِحُ مِمَا كَانَ فِيهِ وَأرْغَد 5 
ينقلُ ابن الرومي هُنا الضيقَ وثقلَ الدُنيا إلى المُستوى الوُجودِي.. لماذا يَبكِي الطفلُ ساعةً الميلادِ وهوَ المُنتقل منَ الضيقِ إلى الرحب؟ أيُ عاطفةٍ تستدعِي هذا التساؤلَ. يقولُ المُتنبي:
كَفَى بِكَ دَاءً أنْ تَرَى المَوْتَ شَافِياَ
وَحَسْبُ الْمَنَايَا أنْ يَكُنَ أمَانِيَا 6 
أيُ داءٍ ذاكَ الذي يدفعُ الشخصَ للموتِ, وأيُ داءٍ يكونُ دواءهُ الموت ومِن الناسِ مَنْ يرى الموت أهونُ ممّا هوَ فيهِ ؟ كيف يكون المَوتُ أمنيةً وحلاَ ؟ تأمل ما يقول أبو العلاء:
مُهجَتي ضِدٌّ يُحارِبُني
أَنا مِنّي كَيفَ أَحتَرِسُ
هل هناك أصعب من أن تُسْجن داخل نفسك ؟ تُرى كيف كان أبو تمام حين قال:
هبّي تري قلقاً مِنْ تَحْتِهِ أرَقٌ
يَحْدوهُمَا كمَدٌ يَحْنو لهُ الجَسَدُ
لَوْ يَعلم الناس عِلمِي بالزمَان وَما
عاثت يداهُ لما ربُّوا ولاَولدوا 8
قدْ كانَ كمدا حزينا, أرِقَا لا ينامُ. قلقا منْ غيرِ اطمئنان.
إننا نجد في شعر هؤلاء المتميزين أرقا وكمدا, وتمنيا للموت بدلا من حياة مريرة لا تجلب لهم أي سعادة, بل هي في شكل من أشكالها تعبا وسببا في الشقاء. إنها أحاسيس لا تصدرُ إلا منْ نفوسٍ مُرهفةٍ حساسةٍ, تُعَانِي الحياة ذاتها.
(إنّ في شعْر المُتنبِي وشوقي وحافِظ ومَطران, شعرٌ موحد الفكرة والصورة والإحساس, وإذا العمل الفني كله تصوير لموقفٍ نفسيٍ مُوحَد. أو للحظةٍ شعوريةٍ ذات مغزى يبْدو فيها الوجود للشاعِر مَصبوغا بلونِ نفسهِ ) 9. لقد وُجِدَتْ الوحدةُ الشعورية عندَ المُتنبي في أجملِ حُللِها, يقول:
مَا لَنَا كُلُّنَا جَوٍ يا رَسُولُ
أنَا أهْوَى وَقَلبُكَ المَتْبُولُ
كُلّما عادَ مَن بَعَثْتُ إلَيْهَا
غَارَ منّي وَخَانَ فِيمَا يَقُولُ
أفْسَدَتْ بَيْنَنَا الأمَانَاتِ عَيْنَا
هَا وَخَانَتْ قُلُوبَهُنّ العُقُولُ
تَشتَكي ما اشتكَيتُ مِن ألمِ الشّوْ
قِ إلَيها وَالشّوْقُ حَيثُ النُّحولُ
وَإذا خامَرَ الهَوَى قَلبَ صَبٍّ
فَعَلَيْهِ لِكُلّ عَينٍ دَلِيلُ
زَوِّدينَا من حُسْنِ وَجْهِكِ ما دا
مَ فَحُسنُ الوُجوهِ حَالٌ تحُولُ
وَصِلِينَا نَصِلْكِ في هَذِهِ الدّن
يَا فإنّ المُقَامَ فيها قَليلُ 10
قد تقرأ هذه الأبيات فتتصور أنّ سرَ جمالِها وروعَتها كامنٌ فِي هذا الغزل الرقيق, أو في عاطفة الحُب المَشبوبة التي تشيعُ مِنْ أبيات هذهِ المَقطوعة, والتي تُصور عِلاقةَ إنسانٍ مُحب بامْرأة لا يَملك كُل مَنْ رَآها إلا أنْ يَقعَ فِي غَرامِهَا, حَتى هَذا الرسول الذي يُرسلُه العَاشِق إلى حَبيبتهِ لا يَستطيع أنْ يُقاومَ مَا لا بُدَ مِن وُقوعِه. 11
فتأخذك منها هذه اللهفة الصادقة النابعة من قلب شغوف بحبِ صاحبتِه, وقد تروعَك مِنها البَساطة, وقد يَفتنك مِنْهَا قُدرة المُتنَبي الخَارقة عَلى إثارةِ انفعالِك, والتأثير فِيك بمَا وُهِبَ مِنْ طاقة شُعُورية عالية. إننا أمام شاعر ينظرُ إلى الوجود والحياة من زاويةٍ خاصة. ويخلعُ على الحَادثة التي أمامهُ ما في أعماقه من رؤية للحياة. إنها نظرةُ عاطفةُ رجلٍ أدركَ للحظةٍ واحدةٍ, أنّ كلَ مَا كانَ لهُ منْ ماضٍ في الحياةِ قد ضاعَ في غيرِ ثمرة, وأنّ الباقي لديهِ من العُمرِ أقلَّ بكثيرٍ مما ذهبَ, وأنهُ عليه أن يتمسكَ بما بقيَ لهُ منْ حياة, فيعيشه بفلسفة جديدة, وبروحٍ عاشقة مُتسامحة مُحبه, وترى لهفة إلى حبِ الناسِ جميعًا. روعةُ المتنبي هنا تكمن في قدرتِه على أنْ يجعلَ منْ هذا الشعور يُسيطرُ على أبياتِ المقطعِ الغزلي كلهُ ويطبعَه بطابِعه.
وممّا لا شكَ فيهِ أنّ الشاعرَ العربيَ عرفَ الرومانسية منْ حيثُ هي أحاسيس ومشاعر مُتدفقة, وخيال تلّونَ بروحِه, في بعض القصائدِ قبلَ أنْ تدفعَ لنا الثورة الفرنسية مَذهبها الرُومانسي دفعا وبكل فخر.
المصادر والمراجع:
1 دراسات في الشعر والمسرح ص 37 للدكتور مصطفى بدوي ط 1 دار المعرفة.
2 ديوان المتنبي للبرقوقي ص 190 جزء 4, دار الكتاب العربي, بيروت, 1986م.
3 ديوان ابن الرومي, الجزء الثالث, شرح الأستاذ أحمد حسن بسج, دار الكتب العلمية ببيروت, لبنان , ط3, 2002م. ص 2634
4 وقفة بقلمي
5 ديوان ابن الرومي, شرح الأستاذ: أحمد حسن بسج, دار الكتب العلمية ببيروت, لبنان, ط3, 2002م. ص374 ديوان المتنبي للبرقوقي, ص 417, جزء 4,
6 دار الكتاب العربي, بيروت, عام 1986م
7http://www.hayatnafs.com/mona3at_fi_alnaf s/depression7 -sufferings&treatment.htm(موقع الدكتور جمال الخطيب)
8 ديوان أبو تمام. تفسير: محيي الدين الخياط, مكتبة كندا. نظّارة المعارف العمومية الجليلة, ترنتو. 1413 ه.367
9 دراسات في النقد الأدبي, د. محمد زكي العشماوي, دار الشروق.ط1, 1994م. ص . بتصرف 273
10 ديوان المتنبي للبرقوقي , ص 267, دار الكتاب العربي, بيروت, عام1407ه
11 دراسات في النقد الأدبي, د. محمد زكي العشماوي, دار الشروق, ط1, 1994 م, ص 275. بتصرف

وتم نشر المقالة في أكثر من موقع وصحيفة سعودية ومصرية 

طلب النقد


نتيجة بحث الصور عن صورة النقد



يطلبُ بعضُ المبدعين نقدَ نصوصِهم من النقاد . ومَن منا لا يحبُ نقدَ أعمالِه وتسليطَ الضوءِ عليها, لأن هذا من شأنِه إتاحة الفرصة لها كي تتداول وكذلك تتاح فرصة معرفتنا بالأديب المبدع وخصائص أو تميز نصوصه .
وما لا يعلمه جميعنا أن النقد الموازي للإبداع أصعب بكثير من الإبداع ذاته . لأن النقد البديع يعتمد على ثلاثة أمور :
1ـ تذوق النص وقربه إلى قلب الناقد أو شعوره به وإيمانه بصدقه كي تستطيع يراعته النقدية أن تسير بطلاقة ومرونة .
2ـ النقد عمليه عقلية مرهقة تعتمد على التحليل والتفسير والمقارنة ومعرفة الناقد بأدوات كثيرة ومهارات كثيرة تتطلب وقتا وفراغا نفسيا وفكريا ورجوعا للمراجع مع الإحالة كي يكون صادقا أمام الجمهور .
3ـ النقد فن وعلم في آن واحد, فينبغي للناقد أن يكون مُبدعا في عرض نقده وسرده بأسلوب الأديب الخبير كي يجذب القراء إلى نقده المنطقي .


هدى عبد العزيز

أصدق الشعراء





إن الشاعرَ الحقَ ينطلقُ من الخاصِ إلى العامِ . إنه ينظرُ إلى مأساة الإنسان في كل زمان ومكان .
وَهذهِ المزية من أسباب خلود الشعر.فالشعرُ ترجمان للإنسان, الشعر يترجم مشاعرنا , أحلامنا , همومنا ...... وهل نُطلق على الشاعر تلك الكلمة السامية وهو لا يحملُ دِفقَ الشعور بذاته وبالآخرين ! قد تكون القضية التي يتحدث عنها الشاعر هي فقدان الأمان في الوطن وتغييب الحرية , لكنه تجاوز المكان والزمان ليتحدث عن حرية الإنسان المسلوبة في جميع البلاد عبر الأزمان . إنه يُحس الإنسان كما أحس بذاته ... فكم مِن مواطنٍ فَقَدَ الأمانَ في وطنه فشاركه تلك الآلام ...إنها البطولة التي يصنعها الشعر حين يكسر كل الحواجز ليعبرَ عن همٍ واحدٍ لجميع البشر بلغة خالدة رفيعة....وتبقى ( أخي ) غصة في الحلق نتجرعها كلما فقدنا الأمان في البلاد ! !


الأحد، 6 سبتمبر 2015

الشعر

نتيجة بحث الصور عن صورة ريشة وورقة



لماذا نتعلق بالشعر ؟ أي أمرٍ فيه لنردده على شفاهنا ونتوق إلى سماعه ؟
إننا نحس فيه صدق التجربة , وثمرة الشعور , وانعكاس الرؤى, وظلال الواقع,  بجمال لفظٍ ورشاقة وزنٍ وسحر صورةٍ خيالية .
الشعر هو مرآة شفيفة لحياة الشاعر بكل ما فيها من إشعاعات تُؤجج نور الموهبة لتظهرَ أكثر تميزًا من تجارب وأحداث وصور للبيئة التي تنسمَ من عبيرها وسار على دربها وشاركته همومه وعواطفه وآماله فحفظ لها حق الجميل في ديوانه.
وبعد فإن الشاعر لا يستحق أن يكون معاصرا إلا حين يُمثل واقعه خير تمثيل , ويكون صدى لمظاهر طبيعته التي عاش فيها بعد أن يسكب عليها ظلال  شعوره , وإلا  كان متكلفا نمج تجربته , لا نحسها , فيهوي مِن احترامنا ويسقط في هوة التقليد المقيت .
وكم من باحثٍ خلُصَ إلى حياة الشاعر معتمدا في ذلك على ديوانه , حينما غضت الطرف عنها كتب التراجم والسير , بل إن مصادر التاريخ كسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير وابن خلدون تضمنت نصوصا شعرية كثيرة أسهمت في تدوين التاريخ .

والشعر العربي تأثر بالبيئة تأثرا كبيرا , ونجدُ هذا واضحا في مشاهد الصحراء والجِبال والتنقل والمراعي والخضرة والنهر والبحر.